المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جاد الاخوي
السبت 16 أيار 2026 07:59:20
منذ أعوام طويلة، يعيش لبنان تحت وطأة انقسام سياسي عميق، لا يتعلق بالخيارات الداخلية أو بالتحالفات الخارجية فقط، بل بطبيعة الدولة نفسها: هل يكون لبنان دولة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم؟، أم يبقى ساحة مفتوحة لمشاريع إقليمية تتقدّم على مؤسساته ودستوره؟ وفي كل مرة يقترب النقاش من هذه المسألة الجوهرية، يعود خطاب الممانعة إلى استخدام اللغة نفسها: التخوين، التخويف، واعتبار أي محاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية، مشروعًا أميركيًا – إسرائيليًا يستهدف "المقاومة".
هذا الخطاب عاد بقوة مع الحديث عن المفاوضات الجارية برعاية أميركية، حيث جرى تصوير الدولة اللبنانية كأنها شريك في مؤامرة دولية هدفها تجريد "حزب الله" من سلاحه، وإخضاع لبنان بالكامل للشروط الإسرائيلية. لكن، بعيدًا من الشعارات والانفعالات، تبدو المشكلة الحقيقية في مكان آخر: في خوف مشروع الممانعة من لحظة يصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها.
اللافت أن خطاب الممانعة لا يناقش الوقائع، بقدر ما يعمل على إعادة صياغتها نفسيًا وسياسيًا. فبدلًا من طرح أسئلة منطقية عن مستقبل لبنان، وحدود قدرته على الاستمرار في ظل الانهيار والحروب المفتوحة، يتم اللجوء فورًا إلى مفردات تعبئة من نوع "الاستسلام"، "التطبيع"، "التغطية الأميركية"، "التآمر على المقاومة". وهكذا يصبح أي رأي يدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة، أو إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية رأيًا مشبوهًا، فيما يُقدَّم استمرار السلاح خارج إطار الدولة، كأنه التعبير الوحيد عن الوطنية والسيادة.
المفارقة أن هذا الخطاب يرفع لواء السيادة، فيما هو عمليًا ينقض مفهوم الدولة السيادية. ففي كل دول العالم، تعني السيادة أن تكون القوة العسكرية والأمنية محصورة بالمؤسسات الشرعية. أما في خطاب الممانعة، فتصبح السيادة مرتبطة بوجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة، تملك قرار الحرب والسلم، وترتبط بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. وعندما تحاول الدولة استعادة جزء من هذا القرار، تُتَّهَم فورًا بالخضوع والخيانة.
الأخطر أن هذا الخطاب يتعامل مع لبنان كأنه مجرد ساحة ضمن مشروع إقليمي أكبر، لا كدولة لها مصالحها الخاصة. لذلك نادرًا ما نجد مراجعة حقيقية للتكلفة التي دفعها اللبنانيون خلال الأعوام الماضية:
من يتحمل مسؤولية الانهيار الاقتصادي والعزلة العربية والدولية؟
من يتحمل مسؤولية ربط لبنان بصراعات المنطقة؟
من يشرح للبنانيين كيف يمكن لدولة أن تستعيد عافيتها، بينما قرارها الاستراتيجي موزّع بين المؤسسات الشرعية والتنظيمات المسلحة؟
بدلًا من مواجهة هذه الأسئلة، يذهب خطاب الممانعة إلى صناعة رواية بديلة، تقوم على فكرة المؤامرة الدائمة. فكل ضغط دولي هو "استهداف للمقاومة"، وكل تفاوض هو "مشروع تصفية"، وكل دعوة لبناء الدولة هي "خدمة لإسرائيل". وبهذا الأسلوب، يتم تعطيل أي نقاش عقلاني عن مستقبل لبنان، لأن النقاش يتحول فورًا إلى مواجهة وجودية بين "الخيانة" و"المقاومة".
كما يحاول هذا الخطاب تذويب الفوارق بين الدولة والحزب والطائفة والوطن. فأي انتقاد لسلاح "حزب الله" يُصوَّر وكأنه استهداف للطائفة الشيعية أو للبنان كله، رغم أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين، ومن الشيعة أنفسهم، بات يطرح أسئلة مشروعة في شأن مستقبل البلد وإمكان قيام دولة فعلية. لكن خطاب الممانعة يرفض الاعتراف بهذا التنوع داخل المجتمع اللبناني، لأنه يقوم أساسًا على احتكار تمثيل "المقاومة"” واحتكار تعريف الوطنية.
وفي موازاة التخوين، يعتمد هذا الخطاب على التخويف. إذ يجري تصوير أي تفاوض أو تسوية كأنها مقدمة لاجتياح سياسي وأمني شامل، بما يهدف إلى شدّ العصب داخل البيئة الحاضنة، ومنع أي مراجعة داخلية. فبدلًا من السؤال: هل أخطأنا في إدارة المواجهة؟ وهل يمكن تطوير الاستراتيجية بما يحفظ الدولة والمقاومة معًا؟ يتم تحويل النقاش كله إلى معركة ضد "المؤامرة الخارجية".
لكن الواقع الإقليمي والدولي تغيّر كثيرا. فلبنان لم يعد قادرًا على تحمّل الحروب المفتوحة، ولا على العيش خارج النظامين العربي والدولي. كما أن فكرة وجود سلاح خارج الدولة، لم تعد مقبولة داخليًا، كما كانت في مراحل سابقة، خصوصًا بعد الانهيار المالي والمؤسساتي الذي أصاب البلاد. ولذلك يبدو أن جوهر الأزمة الحالية ليس في الضغوط الأميركية أو الإسرائيلية فقط، بل في التحول التدريجي داخل لبنان نفسه، حيث يزداد عدد اللبنانيين الذين يعتبرون أن بناء الدولة بات أولوية تتقدّم على أي مشروع آخر.
وفي هذا السياق، يصبح مفهومًا سبب التصعيد الإعلامي والسياسي الذي يمارسه خطاب الممانعة. فهو يدرك أن النقاش لم يعد يدور فقط حول سلاح حزب الله، بل حول طبيعة لبنان المقبلة: هل يبقى دولة معلّقة بين المؤسسات والدويلات، أم ينتقل أخيرًا إلى مرحلة الدولة الواحدة ذات القرار الواحد؟
إن أخطر ما يفعله خطاب التخوين، ليس مهاجمة الخصوم السياسيين فقط، بل ضرب فكرة الدولة نفسها. فعندما تصبح المؤسسات الشرعية موضع شك دائم، وعندما يُصوَّر الجيش والحكومة والرئاسة كأدوات لمشاريع خارجية، لمجرد أنها تحاول استعادة بعض صلاحياتها، يصبح من المستحيل بناء عقد وطني مستقر. وعندها لا يعود لبنان دولة، بل يتحول إلى ساحة دائمة للصراعات الإقليمية.
في النهاية، لا يمكن لأي بلد أن يستمر بمنطق السلاحين والقرارين. ولا يمكن للبنانيين أن يخرجوا من الانهيار إذا بقيت الدولة عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة على أراضيها ومؤسساتها. أما الإستمرار في استخدام التخوين والتخويف كبديل عن الحوار والمراجعة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإبقاء لبنان رهينة أزمات لا تنتهي.