بين السهرة والغارة: هل اعتاد اللبنانيون التعايش مع الحرب؟

داخل زنزانة ضيقة، وسط التعذيب والخوف والانتظار، تسأل إحدى السجينات سلافة معمار في مسلسل قلم حمرة: "يا ربي دخيلك… معقول كل شي عم يصير فينا والعالم ولا على عبالها؟". فتجيبها معمار ببرود يشبه الحقيقة نفسها: "يوم مجازر رواندا، بروما، الشيشان، فلسطين… شو حركتي؟". ثم تضيف الجملة الأكثر قسوة: "العالم نفس الشي ملت من أخبارنا".

لم يكن الحوار عن اللامبالاة فقط. بل عن تعب العالم من الألم حين يطول. عن اعتياد البشر على المأساة. وعن تلك القدرة المخيفة لدى الإنسان على متابعة حياته، بينما يموت آخرون على بعد أمتار قليلة.

في لبنان، تبدو هذه الفكرة يومية إلى حد الفجاجة أحياناً.

هناك دائماً أكثر من لبنان داخل البلد نفسه. لبنان يُقصف، ولبنان يرقص. لبنان ينام في المدارس ومراكز النزوح، ولبنان يبحث عن طاولة في مطعم ليلة السبت ولا يجدها من شدة الازدحام. لبنان ينتشل جثثه من تحت الركام، ولبنان آخر ينشر صور الكوكتيلات والسهر والموسيقى.

حرب وسهر

في شارع واحد فاصل فقط، يمكن أن ترى عائلة نازحة تفترش بطانياتها، فيما يعلو صوت الموسيقى من حانة مكتظة بالزبائن على بعد أمتار. في بيروت تحديداً، يصبح المشهد أكثر حدّة. مدينة أتقنت، منذ الحرب الأهلية، فنّ التعايش مع الكارثة، حتى لم تعد ترى تناقضاً واضحاً بين السهر والموت. كأنها مدينة تعلّمت أن تضع الحرب على خاصية الصمت أو الـ"mute" لساعات قليلة.

في نهاية كل أسبوع، تكاد العبارة نفسها تتكرر: "ما في محل… عذرا، fully booked". مطاعم ممتلئة، سهرات تمتد حتى الفجر، زحمة سيارات، وشبان وفتيات يضحكون ويرقصون... والحرب قائمة.

تقول الأخصائية النفسية وردة بو ضاهر إنَّ هذا السلوك مفهوم ضمن أساسيات علم النفس البشري: "نحن بحاجة إلى شيء من الطبيعي في حياتنا، لذلك نفصل أحياناً. نعلم أنه إذا أوقفنا حياتنا، فلن يتغيّر شيء، فنتأقلم لنحمي أنفسنا ولنتمكن من الاستمرار".

 

 استفزاز أم غريزة بقاء؟

على مدى عقود، عاش اللبنانيون تحت وطأة الحروب والاغتيالات والانهيارات والأزمات. من الحرب الأهلية، إلى تموز 2006، ثم انفجار المرفأ والانهيار المالي، وصولاً إلى الحرب الأخيرة. ومع كل كارثة، كان هناك دائماً من يكمل حياته. ليس بالضرورة لأنه عديم الإحساس، بل لأن التوقف الكامل مستحيل. لأن هذا البلد لا يمنح سكانه أصلاً فرصة حقيقية للتعافي الكامل. 

لطالما عُرفت بيروت بأنها مدينة الليل. مدينة تسهر أكثر مما تنام. من مار مخايل إلى الجميزة، ومن الحمرا إلى الأشرفية، وصولاً إلى أنطلياس وضبية، لا يشبه الليل مجرد وقت فراغ. إنه اقتصاد كامل، وقطاع يعيش عليه آلاف الأشخاص: نُدُل، طهاة، سائقون، عمّال تنظيف، موسيقيون، موظفو حجوزات، حراس، ومصورون.

في بداية الحرب المستمرة، بدت أماكن السهر خائفة من نفسها حسبما يعبر أصحاب الحانات. الحانات شبه فارغة، والمطاعم تعاني، وأصحاب المؤسسات يبحثون عن أي حفلة أو عرض يجذب الزبائن. ليس فقط من أجل الأرباح، بل لأن وراء كل طاولة فارغة موظفاً قد يخسر راتبه الوحيد.

ثم عاد الناس، شيئاً فشيئاً.

عادوا لأن الخوف المستمر يستنزف الجسد. لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً في حالة طوارئ دائمة ولأن البشر يحتاجون، ولو لساعات قليلة، إلى أن يتوهّموا أن العالم ما زال طبيعياً، حسبما يعبّر بعض الرواد لـ "المدن".

وفق الاخصائية بو ضاهر: "ربما نحن أيضاً لا نملك التعاطف الكافي دائماً، لأننا تعوّدنا أن نكمل حياتنا طالما لسنا نحن المتضررين مباشرة".

وتشرح أن الناس، مع الوقت، يشعرون بأن استمرارهم بالحياة لا يعني بالضرورة التخلي عن المتضررين، بل ربما العكس: "أحياناً يشعر الإنسان أنه إذا أوقف حياته بالكامل، فلن يمنح ذلك حياةً للمتضررين أيضاً".

وترى بو ضاهر أن المسافة النفسية تلعب دوراً أساسياً: "اليوم يشعر كثيرون أن الجنوب بعيد عنهم، وهذا يخفف التعاطف أحياناً، إضافة إلى الانقسام الطائفي الموجود. لكن في المقابل، هناك أشخاص متعاطفون فعلاً ويتألمون لما يحدث، إلا أن الحرب طالت، والناس تحتاج إلى شيء من الروتين كي تستمر".

وهنا تحديداً تكمن المعضلة اللبنانية. فالذين يسهرون ليسوا دائماً منفصلين عن الحرب. بعضهم نازحون أصلاً. بعضهم خسروا بيوتاً أو أقارب. وبعضهم يذهب إلى السهرة كمن يذهب إلى غرفة أوكسيجين مؤقتة. لا حباً بالرقص بالضرورة، بل هرباً من الأخبار، من الشاشات، من القلق، ومن ذلك الإحساس الثقيل بأن الموت قد يأتي في أي لحظة.

ليس لأن اللبنانيين قساة القلب دائماً. بل لأنهم، على الأرجح، استنفدوا قدرتهم الطبيعية على الحزن المتواصل. وهناك من يحتاج إلى الضجيج كي لا يسمع أفكاره. وهناك من يحتاج إلى الموسيقى كي لا يسمع الأخبار. وهناك من يريد فقط أن "يموّه"، كما بات كثيرون يقولون: تمويه على العجز، وعلى الخوف، وعلى الشعور بأن شيئاً لم يعد في يد أحد.

في بلد اعتاد الكارثة، تتحول السهرة إلى محاولة صغيرة، وربما يائسة، لإقناع النفس بأن الحياة لا تزال ممكنة… ولو لساعات قليلة فقط.