بين الضغط العسكري والمناورة.. المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية "تحت النار"


يرى خبراء ومحللون سياسيون أن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية لم تعد مجرد جولات تقنية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وأسسه التنفيذية، بل تحولت إلى ما يشبه "المختبر السياسي" الهادف إلى إعادة صياغة موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.

وأشار الخبراء إلى أنه خلف العناوين العريضة للسلام والتهدئة، تبرز ملامح استراتيجية تفاوضية بالغة التعقيد، تديرها واشنطن وتل أبيب بتنسيق وثيق، لفرض واقع ميداني وسياسي جديد.

وهذا الواقع يتجاوز الجغرافيا اللبنانية والترتيبات الحدودية المباشرة، ليرسم خطوط الاشتباك الإقليمي وصياغة قواعد اللعبة للمرحلة المقبلة في المنطقة.

ويرى المحلل السياسي مهنا الدورب، أن ما تشهده أروقة واشنطن من مفاوضات هو محاولة صريحة لاحتكار "الأبوة السياسية" لمنجز التهدئة المنشود لبنانيا. 

تحجيم النفوذ الإيراني
ويشير المحلل الدروب، في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن التوجه الأميركي الراهن يركز على عزل مفاعيل أي تفاهمات ضمنية أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران، وقطع الطريق على السردية الإقليمية التي تعيد استقرار الجنوب اللبناني إلى مظلة التفاهم الأميركي الإيراني.

وأوضح أن الهدف الإستراتيجي هنا هو تجريد إيران من أوراق القوة هذه، وتقديم المنجز كصناعة أميركية خالصة، ثم بعد ذلك "بيع الإنجاز" للسلطة الرسمية في بيروت، لتعزيز موقفها الداخلي في مواجهة القوى الحليفة لطهران، ومحاولة إحداث تغيير تدريجي في التوازنات السياسية اللبنانية تحت رعاية دولية.

ومن جانبه، يفكك الخبير الاستراتيجي والعسكري  اللواء المتقاعد هاشم أحمد، البعد الميداني لهذه المعادلة، معتبراً أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة لوقف إطلاق النار ليست سلوكاً عشوائياً، بل هي جزء مما يسميه "الهندسة التفاوضية تحت النار".

"التفاوض تحت النار"
ويشرح اللواء هاشم أحمد ذلك بقوله، إن تل أبيب توظف هذا التكتيك العسكري بالتناغم مع التوقيت السياسي للمفاوضات، حيث يتم إحداث الخرق الميداني كأداة ضغط مادية لابتزاز المفاوض اللبناني، ومن ثم يتدخل الجانب الأمريكي لاحتواء الخرق وإعادة تثبيت الهدنة.

وأكد في حديث لـ"إرم نيوز"، أن هذه الدورة المدروسة تسعى إلى ترسيخ قناعة لدى بيروت بأن المرجعية الأميركية وآلياتها التنفيذية المقترحة هي الحبل الوحيد القادر على لجم الآلة العسكرية الإسرائيلية، مما يدفع لبنان مكرهاً إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفات حساسة مثل لجان الرقابة الدولية، وتعديل الخطوط الأمنية، ومنح حرية حركة استثنائية لم تكن واردة في المسودات الأولى للاتفاق.

هذا التناغم بين الضغط العسكري والمناورة السياسية يضع الدولة اللبنانية، وفقاً للواء هاشم، في مأزق "استنزاف الوقت والدبلوماسية المنهكة".

ويرى اللواء هاشم، أن لبنان يدخل هذه المفاوضات باختلال حاد في توازن القوى، مما يجعله في موقع المتلقي للشروط والحلول الجاهزة بدلاً من الشريك في صياغتها بروح الندّية.

خيارات بيروت الضيقة
ويضيف، أن غياب المنجزات الجوهرية للمطالب اللبنانية حتى الآن يعود إلى أن هوامش المناورة أمام بيروت باتت ضيقة للغاية؛ فالرفض المطلق للشروط الأميركية الإسرائيلية قد يُتخذ ذريعة لتفجير الوضع الميداني مجدداً، وهو سيناريو تخشاه السلطة اللبنانية العاجزة عن تحمل كلفة جولة جديدة من الحرب الشاملة في ظل الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي المستمر.

ويتضح من تقاطع آراء الخبراء، أن مفاوضات واشنطن تتجاوز في جوهرها التفاصيل التقنية للانتشار العسكري ولجان المراقبة. بل إنها معركة نفوذ استراتيجية كبرى تستخدم فيها واشنطن وتل أبيب تفاصيل الميدان وخروقاته لإعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي لجنوب لبنان، وتجريد الخصوم الإقليميين من أوراق مناورتهم، مما يضع بيروت أمام خيار مرير يتمثل في  التماهي مع شروط أمريكا وإسرائيل أو مواجهة خطر العودة إلى دائرة النار.