في لحظة إقليمية شديدة الحساسية والتعقيد، وبينما كان الوزير القطري محمد علي الخليفي يعلن رزمة مساعدات تهدف إلى دعم مساعي الدولة اللبنانية في إعادة النهوض وتعزيز الاستقرار الداخلي، جاء خطاب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم التصعيدي ليقلب المشهد رأساً على عقب، ويثير موجات من الإستنكار والإستياء، ويعيد طرح السؤال الأخطر الذي يلاحق اللبنانيين منذ سنوات: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان، ومن يتحمَّل كلفة مغامرات عسكرية لا طاقة للبلاد والعباد على احتمالها؟
الخطاب الذي لوّح بالاستعداد للتدخل العسكري دفاعاً عن إيران في حال تعرضها لهجوم أميركي، بدا خارج السياق اللبناني تماماً، بل متجاهلاً واقع بلد منهك اقتصادياً واجتماعياً، وما زالت جراح حروبه السابقة مفتوحة، وبِناه التحتية مدمّرة، ودولته شبه مشلولة.
الأخطر في هذا الموقف أنه يضع لبنان، مرة جديدة، في موقع الدولة المخطوفة، التي تُستخدم ساحةً لتصفية حسابات إقليمية لا تخدم مصالح شعبها ولا أمنه ولا مستقبله.
إن مخاطر توريط لبنان في حرب مدمرة جديدة لا تحتاج إلى كثير من التحليل. فميزان القوى العسكرية مختلّ بشكل فاضح، وأي مواجهة واسعة مع العدو الإسرائيلي، أو أي تدخل في صراع إقليمي أكبر، ستعني دماراً إضافياً وخسائر بشرية واقتصادية لا يمكن تعويضها. التجربة السابقة لا تزال شاهدة: قرى مدمّرة، اقتصاد منهار، ونزيف هجرة لا يتوقف. فهل يُعقل أن يُدفع البلد مجدداً إلى حافة الهاوية تحت شعارات لا تُطعم جائعاً ولا تُعيد إعماراً ولا تحمي دولة؟
السؤال الجوهري الذي يحق لكل لبناني أن يطرحه هو: هل يحق لأي حزب، مهما كانت قوته أو شعاراته، أن يزج لبنان في معركة خاسرة سلفاً، دفاعاً عن محور خارجي، فيما الدولة اللبنانية نفسها غائبة عن القرار، ومؤسساتها عاجزة، وشعبها يدفع الثمن؟ إن ربط مصير لبنان بأجندات إقليمية أثبت، مراراً، أنه ساهم في خراب الدولة، وتعميق الانقسام الداخلي، وتسريع الانهيار المالي والنقدي الذي أفلس المصارف وبدّد ودائع الناس.
في المقابل، تأتي المبادرات العربية والدولية الداعمة، كالمساعدة القطرية الأخيرة، والتي تستحق كل الشكر والإمتنان من اللبنانيين، كل اللبنانيين، لتذكّر بأن هناك فرصة، ولو ضيقة، لالتقاط أنفاس البلد وإعادته إلى مسار التعافي. لكن هذه الفرصة تبقى مهددة ما دام قرار الحرب منفصلاً عن منطق الدولة، وما دام لبنان يُقدَّم كوقود في معارك الآخرين.
إن حماية لبنان اليوم لا تكون برفع منسوب التهديد، بل بتحصين الدولة، واحترام سيادتها، والكف عن تحميل شعبٍ منكوب كلفة صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.