المصدر: نداء الوطن
الكاتب: خضر نجدي
الأحد 26 تموز 2026 07:22:58
لا يكاد يمرّ يوم في لبنان إلا وتولد قراءة جديدة لمستقبل الجنوب، ولمصير اتفاق الإطار الذي تتوسط فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، وللخيارات التي تقف أمام الثنائي الشيعي بعد الحرب الأخيرة. غير أن معظم هذه القراءات ما زال أسير الوقائع اليومية، فيما تكمن الحقيقة في مكان آخر؛ في التحول الذي أصاب البيئة السياسية والشعبية، وفي سقوط رهانات إقليمية كانت تشكل الخلفية الفعلية لإدارة الصراع.
لقد بدا واضحاً خلال الأشهر الماضية أن ما كان يوصف بالتفاهم الأميركي – الإيراني لم يعد قائماً بالمعنى الذي عرفته المنطقة خلال السنوات السابقة. ومع انهيار هذا المسار، سقط تلقائياً الاعتقاد بأن استمرار وقف إطلاق النار، أو الحد من العمليات الإسرائيلية، يمكن أن يبقى مضموناً بمجرد وجود تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وطهران. فالوقائع أثبتت أن الاستقرار لا يقوم على الأمنيات، بل على موازين القوى وعلى الحسابات السياسية التي تتغير بتغير المصالح.
في المقابل، تبدو إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، أكثر ميلاً إلى استثمار هذا الواقع. فالرجل الذي يواجه أزمات داخلية وقضائية غير مسبوقة يدرك أن استمرار التوتر الأمني يمنحه فرصة لإعادة إنتاج دوره السياسي. ومنذ سنوات، تقوم استراتيجيته على تكريس صورة إسرائيل باعتبارها دولة تخوض "حروباً وجودية"، بما يسمح له بتوحيد الداخل الإسرائيلي وإضعاف خصومه السياسيين، فضلاً عن السعي إلى فرض وقائع أمنية جديدة على حدود لبنان وغزة وسائر المنطقة.
لكن ما ينبغي الانتباه إليه أن هذا الواقع لا يخدم إسرائيل وحدها. فالتجربة أثبتت أيضاً أن بعض القوى الإقليمية اعتادت التعامل مع ساحات المنطقة باعتبارها أوراق تفاوض تُستخدم لتحسين المواقع السياسية عند كل أزمة كبرى. وقد بدأت هذه المقاربة تفقد فعاليتها، بعدما تحولت الساحات نفسها إلى مجتمعات منهكة، وأصبح ثمن استخدامها أكبر من مردودها السياسي.
لقد استُخدم اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، في مراحل مختلفة ضمن حسابات الصراع الإقليمي، غير أن النتائج أظهرت أن تراكم الدمار لا يصنع بالضرورة أوراق قوة، بل قد يؤدي إلى استنزاف المجتمعات التي يفترض أنها تشكل أساس أي مشروع سياسي.
وفي السياسة، كما في الحروب، لا تسقط الجبهات أولاً، بل تسقط الرهانات التي بُنيت عليها. وما يشهده لبنان اليوم ليس مجرد تبدل في المواقف السياسية، بل بداية مراجعة فرضتها الوقائع الميدانية قبل أن تفرضها الحسابات السياسية.ومن هذا المنطلق، تتعدد القراءات السياسية وتتباين الاجتهادات حول المخارج الممكنة للأزمة اللبنانية، كما تتكرر التفسيرات بشأن موقف أحد طرفي الثنائي الشيعي من اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. غير أن ما طرأ على المشهد الإقليمي خلال الأشهر الأخيرة يدفع إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت النقاش السياسي منذ توقف العمليات العسكرية.
ومع انحسار مفاعيل التفاهم الأميركي الايراني، والميل لمفاعيل الاطار اللبناني. ارتفعت بوضوح عودة النازحين الى اكثر من سبعمئة ألف نازح إلى بلداتهم وقراهم، رغم أن معظم هذه المناطق، ولا سيما الواقعة بمحاذاة خط المواجهة حتى عمق يقارب خمسةً وعشرين كيلومتراً من الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلة، ما زالت تعاني دماراً واسعاً في المنازل والبنى التحتية والمرافق العامة، فيما يعيش سكانها بين الرغبة في استعادة حياتهم الطبيعية والخشية الدائمة من تجدد العمليات العسكرية.
وقد بدأت هذه التطورات تُحدث تحولاً تدريجياً داخل البيئة الشعبية للثنائي الشيعي، حيث ارتفع منسوب النقاش حول المرحلة المقبلة، وباتت الأولوية، لدى شريحة واسعة من المتضررين والعائدين إلى قراهم، تتمثل في تثبيت الاستقرار وعودة مؤسسات الدولة اللبنانية. واصبح اكثر جرأة في المطالبة بأن تتولى هذه المؤسسات ادارة عملية العودة بكل تفاصيلها ، بعد تجارب التعويضات السابقة التي شهدت اختلالات فاظحة ، اضافة الى التجربة القاسية التي عاشها أبناء الجنوب، والذين وجدوا أنفسهم أمام سؤال يتقدم على كل الأسئلة الأخرى: كيف يمكن حماية الإنسان والأرض معاً، ومنع تكرار دورة الدمار كلما تبدلت الحسابات الإقليمية؟
ولعل هذا التحول في المزاج الشعبي يفسر جانباً من التطور الذي طرأ على الخطاب السياسي داخل الثنائي الشيعي، ولا سيما في مقاربة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي بدا اكثر ميلا للتأثر بمناخ جماهير اهل الجنوب ، المتقدم عن موقفه المساير لموقف الدولة الايرانية في تناقض اصبح غير مفهوما مع مقولة التمسك بالامتداد العربي والحاضنة الدولية والعربية .
رغم ذلك ، يبدو أن انهيار التفاهم الأميركي – الإيراني قد يدفع بعض الأطراف إلى الاعتقاد بإمكانية إعادة استخدام ساحات المنطقة كورقة تفاوض، بدءاً من اليمن مروراً بالعراق وصولاً إلى لبنان. غير أن التجارب الأخيرة توحي بأن فعالية هذا الأسلوب تراجعت بصورة كبيرة، بعدما ارتفعت الأكلاف البشرية والاقتصادية والاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة، وباتت قدرة هذه الساحات على تغيير موازين القوى الإقليمية محدودة مقارنة بما كانت عليه في مراحل سابقة.بل إن الاستمرار في الرهان على المواجهة العسكرية غير المتكافئة يحمل في طياته مخاطر متزايدة، خصوصاً أن الفارق الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية يجعل الطرف الأضعف يتحمل القسم الأكبر من الكلفة، فيما يستطيع الطرف الأقوى توظيف هذا الاختلال لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين مفهوم المقاومة ومفهوم المواجهة، وهما مفهومان لم يعودا متطابقين في وعي شريحة واسعة من اللبنانيين، بمن فيهم أبناء البيئة الحاضنة للمقاومة نفسها.
فالمقاومة، في معناها الاستراتيجي، هي فعل يهدف إلى رفع كلفة الاحتلال على المحتل، وإجباره على إعادة حساباته، بحيث يصبح ثمن استمراره في الاحتلال أعلى من ثمن الانسحاب. أما المواجهة العسكرية، عندما تجري في ظل اختلال كبير في موازين القوى، فإنها قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ تتحول الكلفة الأساسية إلى الطرف الذي يفتقر إلى أدوات التوازن، فتتراجع قدرته على الصمود الاقتصادي والاجتماعي والعمراني، من دون أن ينجح في تعديل السلوك الاستراتيجي للطرف المقابل. وقد عرف اللبنانيون معنى المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي منذ اجتياح عام 1982، كما عرفوا معنى الصمود الذي تُوّج بانسحاب إسرائيل عام 2000. لكنهم عرفوا أيضاً أن حرب تموز 2006، على الرغم مما حملته من دلالات عسكرية وسياسية، تركت أثماناً اقتصادية واجتماعية ما زال لبنان يدفعها حتى اليوم. أما الحرب الأخيرة، فقد أظهرت بصورة أوضح أن حجم الدمار الذي يمكن أن يلحق بالمجتمع أصبح يفوق قدرة الدولة والمواطنين على التعافي منه.
والآن، لم يعد الطريق متشعباً كما كان في السابق، تلجأ اليه القوى السياسية لفرض رؤيتها كما يسعى اليه حزب الله، لأن المقابل واضح، استمرار الدمار والقتل والتهجير من قبل عدو لا يحتاج الى مبررات امام مخطط زعيمه الحالي. وهناك طريق واحد، يتمثل بمؤسسات دستورية وأمنية وعسكرية يقع على عاتقها وحدها حفظ السيادة وإدارة الأمن الوطني، وهي الإطار الطبيعي الذي ينبغي أن تُدار من خلاله القضايا المصيرية. كما أن أي تفاوض أو اشتراط سياسي لا يمكن أن ينطلق من تجاهل حقيقة موازين القوى، أو من افتراض أن الطرف المقابل سيستجيب لشروط لا يراها ملزمة، فيما هو يدرك حجم الاختلال القائم ويعرف كيف يدفع خصمه إلى خيارات تصب في خدمة أهدافه.
لقد أثبتت التجربة في غزة، كما في أكثر من ساحة إقليمية، أن إسرائيل لا يناسبها وجود دول عربية مستقرة تمتلك مؤسسات فاعلة واقتصادات متماسكة وسلطات قادرة على التداول السلمي للسلطة، لأن مثل هذا النموذج يشكل منافساً لمشروعها الإقليمي أكثر مما تشكله الساحات المنهكة بالحروب والأزمات.
ان ما تقدم يدفعنا للمطالبة باستدراك مخاطر المرحلة، ولو لمرة واحدة، من قبل المسؤولين الذين أسهموا، على مدى أكثر من أربعة عقود، في تحميل المواطنين أثماناً باهظة نتيجة سياساتهم وخياراتهم،اذ يشكّل هذا الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية. فهؤلاء الذين استغلوا مواقعهم ونفوذهم لتحقيق المكاسب والإثراء على حساب المجتمع بأسره، لم يترددوا في التضحية بمصالح مختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها الفئات التي يدّعون تمثيلها والدفاع عن حقوقها، بينما كانت الأكلاف الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية تتراكم على كاهل اللبنانيين جيلاً بعد جيل.
إن هذا الاستدراك، وإن جاء متأخراً، يبقى أقل كلفة من الاستمرار في سياسة الإنكار والمكابرة، ومن مواصلة الرهان على مغامرات سياسية واستعراضات خطابية لم تُنتج سوى المزيد من الأزمات والخسائر وإن الخروج من الرهانات التي لا تصدق ، والتخلي عن أوهام القدرة على معالجة الاختلال العميق في ميزان القوى مع العدو عبر الخطاب وحده، قد يجنّب لبنان فاتورة جديدة من الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية، ويمنع تكرار المآسي التي عاشها اللبنانيون في محطات سابقة. كما أنه قد يخفف من حجم المساءلة السياسية والأخلاقية التي ستفرض نفسها عاجلاً أم آجلاً، ليس أمام التاريخ فحسب، بل أمام أبناء البيئات التي دفعت، بفعل الحروب المتكررة، أثماناً باهظة من أرواح أبنائها، ومن استقرارها، ومن فرصها في التنمية والحياة الكريمة.
فالتاريخ الذي لا يقيم مسؤولينا له وزنا ، لا يرحم رغما عنهم ، من يكرر الأخطاء نفسها ولا يعفي ايضا من المسؤولية أولئك الذين يصرون على تجاهل دروسه من المسؤولين والمواطنين على السواء . وإذا كانت "لعنة التاريخ" قد أصبحت تعبيراً يتردد عند كل منعطف مصيري في لبنان، فإن الأخطر من تلك اللعنة هو الإصرار على إعادة إنتاج أسبابها، وكأن مآسي الماضي لم تكن كافية لاستخلاص العبر. وما يحتاجه لبنان اليوم ليس مزيداً من البطولات اللفظية، بل شجاعة سياسية حقيقية تعترف بالأخطاء، والسير فقط وراء مؤسسات الدولة وتقدّم مصلحتها والمجتمع على مصالح الأفراد والجماعات، قبل أن تصبح كلفة التصحيح كلفة غير متخيلة .