بين الهدنة والانفجار... لبنان على حافة اللاسلم واللاحرب

بعد أسابيع طويلة من التصعيد المتبادل، ومع مرور أقل من أسبوع على تمديد الهدنة لـ45 يومًا إضافيًا، يقف لبنان أمام سؤال وجودي لم تعد الصحف تتجنّبه: هل ما نعيشه هدنة انتقالية تمهّد لتسوية سياسية، أم أننا دخلنا فعليًا مرحلة «تجميد صراع» طويل الأمد، حيث يتحول النزاع إلى حالة دائمة تُدار بدل أن تُحل؟

الوقائع الميدانية لا توحي بأن المنطقة تتجه نحو استقرار حقيقي. ففي الوقت الذي تعلن فيه واشنطن تمديد ترتيبات وقف إطلاق النار ومحاولة احتواء التصعيد، يواصل الجيش الإسرائيلي غاراته على مناطق جنوبية وبقاعية، مع إصدار إنذارات إخلاء جديدة لعدد من البلدات. وفي المقابل، يرد «حزب الله» باستهداف مواقع وتجمعات عسكرية إسرائيلية، مؤكدًا أن المواجهة لم تُحسم، لا سياسيًا ولا ميدانيًا.

هذا المشهد لا يشبه هدنة مستقرة بقدر ما يبدو إعادة إنتاج لقواعد اشتباك جديدة تحت مظلة سياسية هشّة. فالفارق بين «الهدنة الانتقالية» و»تجميد الصراع» ليس مجرد توصيف لغوي. الأولى تحتاج إلى راعٍ دولي قادر على فرض الالتزامات، وجدول زمني واضح للتنفيذ، وتوافق داخلي على شكل التسوية المقبلة. أما الثانية، فهي إدارة مفتوحة للنزاع من دون حل جذري، بحيث يبقى البلد معلّقًا بين الحرب والسلم.

حتى الآن، تبدو هذه العناصر الثلاثة غير مكتملة. فالوساطة الأميركية نجحت في منع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها لم تنتج آلية تنفيذ واضحة أو ضمانات حاسمة للطرفين، بل اكتفت بتمديد زمني جديد للتهدئة. وفي الداخل اللبناني، يكرر رئيس الجمهورية جوزاف عون تمسّكه بخيار التفاوض لتثبيت الاستقرار جنوبًا، لكن من دون مؤشرات واضحة إلى انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المتنازع عليها جنوب الليطاني. في المقابل، يتمسك «حزب الله» بربط أي تسوية داخلية بالمسار الإقليمي الأوسع، رافضًا أي مقاربة تُفسَّر كمدخل إلى اتفاق سياسي مباشر مع إسرائيل.

وفي خلفية المشهد، تتحدث تقديرات دبلوماسية عن رغبة إقليمية ودولية في منع أي انفجار واسع بالتزامن مع موسم الحج، لما قد يسببه ذلك من ارتدادات أمنية واقتصادية على المنطقة، وخصوصًا على المملكة العربية السعودية التي بدأت بالفعل استقبال ملايين الحجاج. لذلك، تبدو الأولوية الحالية لدى الوسطاء هي احتواء التصعيد وتأجيل الانفجار، لا إنتاج تسوية نهائية للصراع.

أما المشكلة الأساسية، فتتمثّل في غياب أي جدول زمني واضح أو آلية فعلية لضبط الخروقات. فإسرائيل تواصل اعتماد سياسة الضربات الوقائية والضغط العسكري، في ما يكتفي لبنان بالتحرك الدبلوماسي وانتظار نتائج الاتصالات الدولية. وهكذا، تتحول الهدنة تدريجيًا من فرصة لاحتواء التصعيد إلى وسيلة لإدارة الوقت وتثبيت وقائع جديدة على الأرض.

الانقسام الداخلي يزيد المشهد تعقيدًا. فالساحة اللبنانية لا تزال منقسمة بين من يرى في التفاوض مخرجًا إلزاميًا لتجنب حرب جديدة، ومن يعتبر أن أي تنازل سياسي أو أمني قد يُترجم لاحقًا على حساب السيادة والتوازن الداخلي. وفي ظل هذا الانقسام، تبدو الدولة عاجزة عن إنتاج رؤية وطنية موحدة.

الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الواقع تتفاقم يومًا بعد يوم. فخسائر الحرب والتوترات الأمنية تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، في ما تتحول أزمة النزوح الداخلي إلى عبء طويل الأمد على البنية الاجتماعية والخدماتية، وسط اقتصاد يواصل استنزاف ما تبقّى من قدرته على الصمود.

لذلك، قد لا يكون لبنان أمام هدنة انتقالية فعلية بقدر ما هو أمام مرحلة طويلة من إدارة النزاع تحت سقف إقليمي ودولي متقلّب. والخطر لا يكمن فقط في احتمال انهيار الهدنة، بل في تحوّلها تدريجيًا إلى واقع دائم يعتاد عليه اللبنانيون، في ما تتآكل مؤسسات الدولة أكثر فأكثر.

فالبلاد تبدو اليوم عالقة في منطقة رمادية: لا حرب شاملة، ولا سلام فعلي، بل أزمة مفتوحة تُؤجَّل انفجاراتها بدل معالجتها.