المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جيري ماهر
الخميس 16 نيسان 2026 08:07:29
في مشهد يلخص كل هذا التناقض، يبدو واضحًا أن "حزب الله" لم يعد قادرًا حتى على الحفاظ على صورة "القوة" التي طالما روّج لها. يتلقى الضربات في الجنوب والضاحية والبقاع، ثم يعود ليعوّض هذا العجز باستعراضات داخلية لا علاقة لها بأي مفهوم فعلي للمقاومة، بل تشبه سلوك ميليشيا مرتبكة تبحث عن نصر وهمي داخل بلدها.
بدلًا من أن يرد حيث تُوجَّه إليه الضربات، يختار أن "ينتقم" في بيروت. لكن ليس من خصومه الخارجيين، بل من المدينة نفسها: من ناسها، من الدولة، ومن مؤسساتها. يضغط، يهدد، ويذهب بعيدًا إلى حد التلويح بالمقام السني الأول. هذا ليس استعراض قوة، بل اعتراف غير مباشر بحجم الأزمة التي يعيشها. فالقوة لا تكون باستقواء الداخل، بل بالقدرة على المواجهة في مكانها الصحيح.
ما نشهده اليوم ليس إلا انعكاساً لحالة ضعف وتراجع. عندما تعجز الميليشيا عن الرد في الميدان، تلجأ إلى الداخل لتسجيل نقاط شكلية، حتى لو كان الثمن وحدة البلد واستقراره. الصورة واضحة: خسارة كبيرة يحاول "الحزب" تغطيتها برفع منسوب التوتر الداخلي.
ومن يظن أن هذا السلوك جديد، يكفي أن ينظر إلى سجل "الحزب" منذ 2005. منذ اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من سلسلة اغتيالات استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية معارضة، دخل لبنان في مرحلة من الترهيب المنهجي. ورغم كل النفي، فإن الاتهامات الدولية والقرارات القضائية التي طالت عناصر من "الحزب" تركت أثرها العميق، ووسّعت الشرخ داخل البلد.
ثم جاء 7 أيار 2008، اليوم الذي قرر فيه الحزب استخدام سلاحه في الداخل بشكل مباشر. اجتياح بيروت وأجزاء من الجبل لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية كرّست منطق فرض الأمر الواقع بالقوة. يومها سقطت كل الروايات التي تقول إن هذا السلاح موجّه فقط إلى الخارج، واتضح أنه يمكن أن يُستخدم في أي لحظة ضد اللبنانيين أنفسهم.
لاحقًا، لم يتغير النهج، بل تبدّلت الأساليب. فرض وقائع أمنية هنا وهناك، تعطيل مؤسسات الدولة عند الحاجة، والذهاب بلبنان إلى صراعات إقليمية من دون أي غطاء وطني، ما جرّ على البلد عزلة وعقوبات وأزمات متلاحقة.
كل ذلك يؤكد أن ما نراه اليوم ليس استثناء، بل امتداد لمسار طويل. الفرق الوحيد أن هامش الحركة بات أضيق، وكلفة هذا السلوك أصبحت أعلى بكثير، ليس فقط على "الحزب"، بل على لبنان كله.
أمام هذا الواقع، لم يعد مقبولًا الاستمرار في سياسة الانتظار. المطلوب من قيادة الجيش التحرك بوضوح وحزم، ووضع حد لأي تجاوز على الدولة ومؤسساتها. لأن ترك الأمور تتفاقم سيقود حتمًا إلى رد فعل من الشارع المقابل، وعندها يدخل البلد في دوامة خطيرة لا أحد يعرف كيف تنتهي.
لبنان لم يعد يحتمل مغامرات. لا يمكن أن يبقى رهينة سلاح خارج الدولة. والرسالة يجب أن تكون واضحة: لا الداخل ولا الخارج سيقبل بمحاولة فرض واقع جديد بالقوة. الدولة وحدها هي المرجعية، وأي محاولة لتجاوزها لن تؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والانهيار.