وصل الوفد العسكري اللبناني إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات البنتاغون المقررة في 29 أيار الجاري، في لحظة شديدة الحساسية ميدانياً وسياسياً، مع اتساع رقعة الضربات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع الغربي، وعودة الحديث عن احتمال تأجيل الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، إذا بقي التصعيد على الوتيرة نفسها.
وبحسب المعطيات، فإن واشنطن تركّز بشكل أساسي على ملف تثبيت وقف النار، فيما يبقى مطلبها الأول وقف عمليات "حزب الله" العسكرية، وخصوصاً المسيّرات، والحصول على ضماناتٍ واضحة بعدم عودة التصعيد من الجانب اللبناني، وهو ما نُقل أكثر من مرة عبر قنوات سياسية وأمنية، إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يتولى عملياً إدارة جانب واسع من الاتصالات المرتبطة بالمفاوضات.
لكن السؤال المطروح في بيروت: ماذا يحمل الوفد اللبناني إلى واشنطن في ظل هذا الضغط؟ وهل يملك لبنان أوراقاً تفاوضية فعلية، أم أن المهمة تقتصر على احتواء الضغوط ومحاولة منع انهيار كامل لمسار وقف النار؟
الجيش يعرض ما أنجزه جنوب الليطاني
وفق المعلومات، سيعرض الوفد العسكري اللبناني أمام المسؤولين الأميركيين حصيلة ما أنجزه الجيش اللبناني منذ انتشاره في منطقة جنوب الليطاني عقب اتفاق وقف النار الأول في 27 تشرين الثاني 2024، في محاولةٍ للرد على الاتهامات الإسرائيلية والأميركية التي تتحدث عن تقصير أو عدم فعالية الانتشار العسكري اللبناني.
وسيقدّم الوفد عرضاً مفصلاً للإجراءات التي قام بها الجيش، سواء لجهة الانتشار أو تفكيك الألغام ورفع الذخائر والمتفجرات، إضافة إلى الصعوبات الميدانية التي واجهته، وخصوصاً ما يتعلق بعدم توافر معلومات دقيقة عن الأنفاق والبنى العسكرية الموجودة في بعض المناطق، فضلاً عن النقص الكبير في التجهيزات العسكرية واللوجستية.
كذلك سيشير إلى سقوط 12 شهيداً من الجيش خلال عمليات التفكيك والمسح الهندسي ورفع المخلفات الحربية، في رسالةٍ واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية دفعت ثمناً مباشراً خلال تنفيذها مهمات تثبيت الاستقرار جنوباً.
ومن النقاط الأساسية التي سيطرحها الوفد أيضاً، ملف الدعم العسكري. فبحسب مصادر مطلعة، سيؤكد الجانب اللبناني أن الجيش تلقى وعوداً عديدة بالحصول على مساعدات وتجهيزات نوعية تساعده على تنفيذ مهماته جنوب الليطاني، إلا أن معظم هذه الوعود لم يُترجم عملياً حتى الآن، ما انعكس سلباً على قدرته العملياتية.
وسيطلب لبنان دعماً إضافياً للمرحلة المقبلة، خصوصاً إذا اتجهت الأمور نحو تثبيت طويل الأمد لوقف النار أو نحو ترتيباتٍ أمنية جديدة في الجنوب، في وقت يزداد فيه القلق داخل المؤسسات العسكرية من مرحلة ما بعد عام 2027، تاريخ انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل" الحالية ما لم يتم التجديد لها أو تعديل مهماتها.
وفي هذا السياق، سيبحث الوفد اللبناني أيضاً في آلية التعاون مع لجنة “الميكانيزم” المشرفة على تنفيذ التفاهمات الأمنية، إضافة إلى مستقبل التنسيق مع القوات الدولية ودورها في أي ترتيبات لاحقة.
لا بحث في سلاح الحزب… حالياً
ورغم كل الضغوط الأميركية والإسرائيلية، تشير المعطيات إلى أن ملف حصرية السلاح أو نزع سلاح "حزب الله" ليس مطروحاً بشكل مباشر على جدول الاجتماعات العسكرية الحالية، باعتبار أن الأولوية الأميركية تتركز حالياً على تثبيت وقف النار ومنع توسع المواجهة، وليس الدخول في ملفات سياسية داخلية معقدة يدرك الجميع أنها تتجاوز قدرة أي مفاوضات عسكرية تقنية.
إلا أن ذلك لا يلغي أن واشنطن تتعامل مع ما يجري باعتباره مرحلةً تأسيسية لمسار أوسع قد يُفتح لاحقاً إذا نجحت ترتيبات التهدئة الحالية.
هل تتأجل الجولة الجديدة؟
في المقابل، يبقى مصير الجولة الجديدة من المفاوضات مرتبطاً مباشرة بالتطورات الميدانية. فالتصعيد الإسرائيلي المستمر، وتوسيع دائرة الاستهدافات نحو مدن ومراكز حضرية كبرى، يرفعان منسوب التوتر ويضعان أي مسار تفاوضي أمام اختبار حقيقي.
وتخشى جهات ديبلوماسية أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى تأجيل الجولة المرتقبة، أو إلى انعقادها في أجواء شديدة التعقيد، خصوصاً أن إسرائيل تحاول رفع سقف الضغط الميداني والسياسي قبل أي تفاوض، فيما يسعى لبنان إلى تثبيت معادلة تقوم على وقف النار أولاً قبل الانتقال إلى أي بحث أمني أو سياسي أوسع.