تباينات متراكمة بين برّي و«حزب الله»... بداية افتراق أم توزيع أدوار؟

أتت تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأخيرة عن علاقته بـ«حزب الله» لتخرج إلى العلن التباينات المتراكمة بين «الحليفين» في السنوات الأخيرة، والتي برزت بصورة أوضح منذ «حرب الإسناد»، ثم اغتيال الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، وصولاً إلى المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، ومواقف برّي من قرارات الحكومة ودور الجيش.

فقول برّي إن العلاقة مع الحزب كانت أقرب في عهد نصر الله، وإنه «لا أخ أكبر ولا أخ أصغر»، يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الشراكة داخل «الثنائي الشيعي»، وعما إذا كان ذلك توزيعاً للأدوار أم بداية افتراق بين «الحليفين»؟

وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختلاف ليس جديداً، وهو حقيقي بين الحليفين، ورأيناه في مراحل ومحطات سابقة في مقاربة مواضيع عدة من الحرب وغيرها، كما في مناقشة مواضيع كثيرة على طاولة مجلس الوزراء»، وتضيف: «لكن الجديد في الموضوع هو حديث برّي علناً عن هذا الأمر، بحيث يعكس تمايزاً واضحاً بين الطرفين، وهو ما حرص رئيس البرلمان على إيصاله، لكن كل المعطيات والوقائع لا تعكس أنه سيرتقي إلى خلافات أو افتراق بين الحليفين إلا إذا حدث ما لم يكن بالحسبان».

من التباينات القديمة إلى مغامرة الحرب
لم تكن العلاقة بين برّي والحزب خالية من التباينات حتى في عهد نصر الله، وأبرز محطاتها دخول الحزب الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد. لكن التحالف استمر رغم هذه الاختلافات، إلى أن جاءت حرب «إسناد غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما أعقبها من مواجهة واسعة وتداعيات قاسية على لبنان والجنوب.

وبعد اغتيال نصر الله في سبتمبر (أيلول) 2024 وتولي نعيم قاسم قيادة الحزب، دخلت العلاقة مرحلة جديدة، وهو ما لفت إليه برّي، مع العلم أنه في الأيام التي سبقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران تلقى برّي تطمينات من الحزب بأنه لن يفتح جبهة مع إسرائيل، وقد نقلها إلى مسؤولين لبنانيين، بينهم رئيس الجمهورية جوزيف عون. لكن الحزب أطلق، في الأول من مارس (آذار) 2026، صواريخ باتجاه إسرائيل ثأراً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وفق ما أعلن صراحة، من دون العودة إلى الحكومة أو التشاور مع حليفه رئيس المجلس. وأفادت مصادر نقلت عنها «رويترز» بأن برّي شعر بأنه تعرّض للخداع، إلى أن اتخذ مجلس الوزراء قراراً بحظر الأنشطة العسكرية للحزب في الثاني من مارس من دون اعتراض وزراء «حركة أمل».

ومع تفاقم تداعيات الحرب على لبنان، خرج أمين عام الحزب نعيم قاسم معلناً التفويض والثقة الكاملة بقيادة «الأخ الأكبر»، في إشارة إلى برّي، في إدارة مفاوضات وقف إطلاق النار، وهو الدور الذي قال برّي في مواقفه الأخيرة إنه ليس موجوداً.

الحكومة والجيش... تمايز في المواقف
مع العلم أن التباينات لم تقتصر على قرار الحرب، بل امتدت إلى التعامل مع الحكومة وقراراتها المتعلقة بسلاح الحزب؛ إذ إضافة إلى أن كتلة «التنمية والتحرير» صوّتت لصالح تجديد الثقة بالحكومة للمرة الثالثة الشهر الماضي في حين انسحب نواب «حزب الله» من الجلسة، عارض برّي قيام عناصر «حزب الله» بتحركات رفضاً لقرار مجلس الوزراء الذي لم يعارضه وزراؤه، والمتعلق بحظر النشاطات العسكرية لـ«حزب الله»، مشدداً على أن «السلم الأهلي خط أحمر»، وهو الأمر نفسه بالنسبة إلى «الجيش خط أحمر»، ومؤكداً الوقوف إلى جانبه في تنفيذ المهام الموكلة إليه جنوباً.

وأتت مواقف برّي في وقت واصل فيه مهاجمته المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبراً أنها لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة، ومؤكداً أن الانسحاب الإسرائيلي هو المدخل لضمان انتشار الجيش جنوب الليطاني.

الشارع مرآة السياسة
وكل هذه التباينات انعكست بشكل أو بآخر على البيئة الشيعية مع حرص القيادات على احتوائها بشكل سريع، لكن الأكيد أن ما خرج عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلافات بين مناصري الطرفين عكس امتعاض جمهور «أمل» من تفرد «حزب الله» بقرار الحرب، وانعكاسه على الأهالي في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

برّي يمسك العصا من المنتصف
ورغم كل هذه الاختلافات لا يرى المحلل السياسي علي الأمين أنها بداية افتراق بين الطرفين، ويضع مواقف برّي «في خانة توزيع الأدوار أكثر منها انفضاض التحالف مع (حزب الله)»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة التي يعتمدها برّي لا تبعده عن «حزب الله»، ولكن «توفر له عناصر قوة داخل السلطة، وتجعله صاحب رأي نافذ في قرارات الحكومة».

ويضيف الأمين: «سيبقى برّي يمسك العصا من المنتصف بما يسمح له التحكم بقرارات الحكومة إلى حد كبير، والإبقاء على تحالفه مع (حزب الله) الذي يجعل من الأخير في وضع محصّن نسبياً حيال إجراءات السلطة، وهذه الوضعية أو المعادلة تشكل عنصر قوة للحزب الذي يستثمر مراوحة السلطة حياله لمزيد من تعزيز النفوذ على الأرض، طامحاً لتغيير معادلة السلطة التي تفقد يومياً التأييد الشعبي الذي كانت تحظى به رئاسةً وحكومةً، لا سيما حيال التعثر في تحقيق السيادة وإنجاز الإصلاح وكبح المحاصصة والفساد».