المصدر: إرم نيوز
الجمعة 1 أيار 2026 16:54:14
لم يعد التحول في سلوك حزب الله تفصيلاً تكتيكياً، بل مؤشراً على انتقال أوسع نحو نمط قتال أقرب إلى "حرب العصابات"؛ فبدلاً من الظهور كقوة شبه نظامية تعتمد على ترسانة صاروخية وبنية عسكرية ثقيلة، كما كان حاله خلال السنوات الماضية، بات الحزب يميل إلى أدوات مرنة ومنخفضة الكلفة، من بينها المسيّرات الصغيرة، في محاولة للحفاظ على حضور ميداني بعد تراجع قدراته التقليدية.
إعادة تموضع قسري
تشير تقارير "أسوشيتد برس" إلى أن استخدام المسيّرات الصغيرة، خصوصاً من نوع FPV، أصبح أكثر حضوراً في المواجهات الأخيرة، لما توفره من دقة نسبية وصعوبة في التشويش. غير أن هذا التحول لا يُقرأ بوصفه تطوراً نوعياً بقدر ما يعكس إعادة تموضع قسري، نتيجة الضربات التي طالت البنية العسكرية للحزب.
وتذهب تحليلات واشنطن بوست إلى أن هذه الأدوات تُستخدم بشكل أساسي في الاشتباكات القريبة، ما يحد من تأثيرها الاستراتيجي، ويجعلها أقرب إلى وسائل إزعاج ميداني منها إلى أدوات حسم.
إرباك إسرائيلي.. وثغرة قابلة للاحتواء
في المقابل، أقرّت مصادر عسكرية إسرائيلية بوجود إرباك تكتيكي أولي في التعامل مع هذا النوع من المسيّرات. فقد نقل موقع "تايمز أوف إسرائيل" أن بعض الوحدات البرية واجهت صعوبة في رصد هذه الطائرات الصغيرة أو تعطيلها بسرعة، ما استدعى إجراءات ميدانية فورية.
لكن هذا الإرباك، وفق ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت، دفع الجيش الإسرائيلي إلى تعديل تكتيكاته، عبر تعزيز أنظمة الرصد القريب وتطوير وسائل حماية الآليات، ما يشير إلى أن التحدي تكتيكي ومؤقت أكثر من كونه خللاً بنيوياً.
اللافت أن هذا التحول يتقاطع مع ما شهدته الحرب في أوكرانيا، حيث برزت المسيّرات الصغيرة كسلاح فعال منخفض الكلفة.
وتشير تقارير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن حزب الله يحاول استنساخ هذا النموذج، مستفيداً من تجربة أثبتت قدرة هذه الأدوات على إرباك الخصم.
إلا أن الفارق، بحسب المعهد، يكمن في البيئة العملياتية، إذ تختلف جغرافيا الجنوب اللبناني وطبيعة الاشتباك مع إسرائيل، ما يجعل تأثير هذه المسيّرات محدوداً مقارنة بما حققته في أوكرانيا، ويضعها في إطار تكتيكي ضيق لا استراتيجي واسعا.
تحوّل اضطراري بعد تضرر القدرات
في هذا الإطار، يرى الخبير العسكري أحمد رحال أن "اللجوء إلى المسيّرات الصغيرة يعكس بوضوح حجم الضغط الذي تعرضت له بنية حزب الله خلال المرحلة الأخيرة"، موضحاً أن "الضربات التي طالت مخازن الصواريخ والبنية اللوجستية دفعت الحزب إلى البحث عن أدوات بديلة أقل كلفة وأكثر مرونة".
ويضيف رحال أن "هذا التحول لا يعني تطوراً نوعياً بقدر ما هو انتقال اضطراري نحو حرب العصابات، حيث يتم تعويض النقص في السلاح الثقيل باستخدام وسائل بسيطة لكنها فعالة في نطاق محدود".
ويؤكد الخبير العسكري أن "استنساخ تجربة أوكرانيا لا يمكن أن يكون كاملاً، لأن البيئة مختلفة، لكن الفكرة الأساسية واحدة، وتقوم على استخدام أدوات منخفضة الكلفة لإطالة أمد المواجهة". ويشير إلى أن "هذا النمط من القتال قد ينجح في إرباك إسرائيل تكتيكياً، لكنه لا يمنح حزب الله القدرة على تغيير ميزان القوة، خاصة في ظل استمرار الضغط على موارده وقدراته".
يكشف استخدام المسيّرات الصغيرة عن معادلة مزدوجة؛ فمن جهة، يفرض هذا السلاح تحدياً تكتيكياً على القوات الإسرائيلية، ومن جهة أخرى، يعكس تراجعاً في نمط القتال التقليدي الذي اعتمد عليه حزب الله لسنوات.
بين الإرباك والاحتواء
وبينما تعمل إسرائيل على احتواء هذا التهديد عبر تطوير أدوات مضادة، يبدو أن الحزب يتجه إلى حرب طويلة منخفضة الكلفة، تقوم على الإزعاج والاستنزاف أكثر من الحسم. وهي معادلة قد تطيل أمد المواجهة، لكنها تبقى محكومة بحدود واضحة، لا تسمح بتحولها إلى تفوق استراتيجي حاسم.