المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمل شموني
الخميس 25 حزيران 2026 06:59:08
في اليوم الثاني من الجولة الخامسة للمحادثات اللبنانية- الإسرائيلية في واشنطن، بدت ملامح المأزق اللبناني واضحة. ناقش المفاوضون التفاصيل الفنية للمناطق التجريبية، وتجادلوا حول الخرائط وصلاحيات التفويض، لكن الأزمة الأعمق المتعلقة بالسيادة اللبنانية، ومعضلة "حزب الله" خيمت على كل النقاش.
وأشارت مصادر عسكرية أميركية إلى أن المقترح المدعوم أميركيًّا بشأن "المناطق التجريبية" يهدف إلى توفير "مسار ضيق للخروج من حالة الجمود الراهنة". وبموجب هذا المقترح، تنسحب إسرائيل بإشراف أميركي من مناطق مختارة، ليحل محلها الجيش اللبناني، "الذي من المفترض أنه خضع لعمليات تدقيق وتدريب أميركية مكثفة". وتابع المصدر أن ذلك "يسمح للجيش بالصمود في وجه "الحزب" ومنع تجدد الهجمات على إسرائيل". في هذا الإطار، قال وزير الخارجية ماركو روبيو: "هذا هو أملنا؛ أن يواصل الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية الشرعية ذات السيادة قدرتهما على بسط السيطرة وتأمين المزيد والمزيد من أراضيهما، لأن هذه هي الجهة التي يجب أن تسيطر على الأراضي اللبنانية، وليس جماعة إرهابية مثل حزب الله".
وكشفت المفاوضات عن شكوك عميقة، إذ وصفت مصادر أميركية جلسة الثلثاء بأنها كانت "غير مثمرة" و"متوترة للغاية" (أو "قبيحة"، بتعبير المصادر) في بعض الأحيان. ومن هنا، اضطر الجانب الأميركي إلى استئناف العملية الأربعاء، على أمل تخفيف حدّة المواقف المتصلبة. وأشارت المصادر الدبلوماسية الأميركية إلى وجود إصرار إسرائيلي على أن أي انسحاب سيكون مشروطًا بصرامة، بحيث تكون المناطق التجريبية محددة بدقة. وقالت هذه المصادر إن واشنطن توافق على "احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرية العمل بالقرب من الحدود إلى حين التأكد من أداء لبنان". وفي المقابل، طالب لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل، رافضًا حتى مجرد مظهر من مظاهر التنسيق مع الإسرائيليين على الأرض.
وتعليقًا، قال دبلوماسي أميركي إن فكرة المناطق التجريبية قد تكون مجرد "ورقة توت" دبلوماسية، إذ لا أحد يعتقد أنها قادرة على حل المشكلة الحقيقية، أي حضور ونفوذ "حزب الله" في الجنوب.
وأضاف أن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها المحادثات، أي أن لبنان وإسرائيل طرفان متساويان في السيادة يتفاوضان من أجل السلام، تبدو واهية ومجرّدة من المضمون، لا سيما أن "حزب الله"، الغائب عن طاولة المفاوضات، يُظهر أيضًا ازدراءً صريحًا لهذه العملية.
من هنا، تعكس أحدث مشاريع القرارات في الكونغرس، والذي قدمه النائبان مايك لولر وجوش غوتهايمر، حالة الإحباط المتزايدة لدى واشنطن. إذ يطالب القرار لبنان بـ"ضمان توقف حزب الله فورًا عن جميع الهجمات ونزع سلاحه". كما يصف القرار "الحزب" صراحةً بأنه وكيل إيران، وأن عدوانه لا يزعزع استقرار الحدود الإسرائيلية فحسب، بل يهدد أيضًا الأمن الإقليمي والشعب اللبناني.
وقد أيد روبيو هذه الآراء، محملا "الحزب" المسؤولية المباشرة عن الوجود الإسرائيلي في لبنان، حيث قال إن "السبب الوحيد لوجود إسرائيل في لبنان هو أن حزب الله يطلق الصواريخ والطائرات المسيرة من هناك... وكلما تمكّن الجيش اللبناني من تأمين مساحة أكبر من تلك المنطقة، تراجع الوجود الإسرائيلي في لبنان".
غير أن هذا الطرح يندرج، في أحسن الأحوال، ضمن خانة التمنيات. وتقول مصادر في مجلس الأمن القومي "إن استمرار تصرفات الجيش اللبناني وهيكليته على هذا النهج لا يبشّر بنتائج جيدة. فاحتمالات أن يقوم الجيش بنزع سلاح الحزب، أو حتى تقييد حركته بشكل فعلي، تتراوح بين الصفر والمستحيل".
وعزز موقف الجيش اللبناني طوال فترة المفاوضات هذه الشكوك. إذ وصفت مصادر دبلوماسية وعسكرية أميركية بأن "الضباط اللبنانيين غير منخرطين في النقاشات، بل ويتعمدون أحيانًا عدم التعاون، لدرجة رفضهم حتى الظهور في صور جماعية لانطلاق اليوم الأول من الجولة الخامسة للمفاوضات". وتضيف المصادر أنه داخل قاعة المفاوضات، لم يقدم الوفد العسكري اللبناني ما يغيّر الانطباع السائد بأنه غير راغب أو غير قادر على فرض وقف إطلاق النار، ناهيك عن مواجهة حزب الله". في هذا الإطار، اعتبر دبلوماسي أميركي أن هذه الديناميكية تصب مباشرة في "مصلحة حزب الله ورعاته الإيرانيين؛ فما دامت الدولة اللبنانية ضعيفة ومنقسمة، يظل حزب الله محتفظًا بذريعته للمقاومة المسلحة".
ويقول مصدر عسكري أميركي إن "بوسع إيران كبح جماح الحزب غداً لو قررت أن ذلك يصب في مصلحتها، لكنها لم تفعل ذلك". ويضيف: "تجريد قوة تفوق الجيش اللبناني تسليحًا وقوةً من سلاحها ليس أمرًا يمكن لبيروت إنجازه من خلال مجرد تصريحات".
ومع استمرار جولة واشنطن ببطء، تظلّ احتمالات إحراز تقدّم حقيقي ضئيلة، إذ يخيّم على كل نقاش حول الحدود أو المناطق التجريبية أو نشر القوات ذلك التناقض الجوهري الذي يعجز أي طرف على طاولة المفاوضات عن حلّه: هيمنة "حزب الله" المستمرة، وعجز لبنان عن استعادة أراضيه. وكما عبّر أحد كبار الدبلوماسيين: "بعد خمس جولات من المحادثات، لا يزال الجميع يتفاوضون بشأن لبنان، بينما يتظاهرون بأنهم يتحدثون عن شيء آخر".