المصدر: الراي الكويتية
الاثنين 18 أيار 2026 02:44:29
عاش لبنان ساعاتٍ من الأعصابِ المشدودة إلى موعدٍ افتراضي لإمكان دخولِ جبهة إسرائيل - «حزب الله»، منتصف ليل الأحد - الاثنين في مرحلةِ وَقْفٍ شامل للنار تزامناً مع بدء الهدنة الجديدة لـ 45 يوماً التي وُلدت في سياق جولة المفاوضات المباشرة المكثفة والمعزَّزة التي جرتْ على مدى يومين في واشنطن بين بيروت وتل أبيب.
وشهدتْ العاصمةُ اللبنانيةُ، تحرياتٍ متوازيةً عن مدى جدية إمكان بلوغ مثل هذه الهدنة الكاملة، كما عن الاعتباراتِ التي تَدخل في حسابات الطرفين المتقاتليْن المعنييْن بها وتحدّد موقفهما من التزام مسارٍ من وقْفِ النار يطلّ واقعياً على حساسياتٍ كبرى لكل من:
- إسرائيل التي تحاذر منْح حزب الله أي فرصةٍ لالتقاط الأنفاس بمعنى «تجديد دم» ترسانته ومقاتليه قبل ارتسام طريقٍ لا غبار عليه ومجدوَل زمنياً لسحب سلاحه.
- والحزب الذي يصعب أن يُسَلِّم بـ «إلقاء البندقية» أو التعهّد بعدم استخدامها مجدداً طوال فترة التفاوض قبل أن تَخرج إيران من «الخندق» الذي اقتيد لبنان برمّته إليه، بحيث أن التزام وقف نارٍ تَلازُماً مع موقف مماثل من إسرائيل، سيَعْني من جهةٍ الاعترافَ بمسار واشنطن أي المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب التي يجاهر برفضه لها في المبدأ، ومن جهة أخرى انسحابه من أي إسنادٍ إضافي لإيران، بالنار في حال استئناف الحرب على جبهتها، كما بالديبلوماسيةِ وهو ما يقوم به من خلال تفويضها أمرَ سلاحه ليكون من أوراق «الدفع من جيب الآخرين» على طاولة إسلام أباد.
وتؤشر «متلازمة الحساسيات» لكل من إسرائيل و«حزب الله» للصعوبات التي تَعترض الوصول إلى ما يريده لبنان من وَقْفِ نارٍ حقيقي يواكب انطلاقَ المفاوضات المباشرة في شهرها الثاني وعلى امتداد الأيام الـ 45 المقبلة على متن مساريْن متلازمين، سياسي وأمني، خصوصاً أن تل أبيب تعتقد أنها بالتصعيد المستمرّ تحمي سقفها التفاوضي الذي يتمحور حول «الأرض مقابل السلاح»، فيما «حزب الله» يرفع بتصعيده المقابل «ثمن» ورقته على مسار إسلام أباد الذي لا يَعترف إلا به ناظِماً لمآلاتِ جبهة لبنان واستطراداً لترسانته وفق مقتضياتِ توفير أفضل ظروف لصمودِ إيران و... بقاء نظامها.
من هنا، ترى أوساطٌ مطلعة في بيروت، أن إطالةَ أمد الهدنة 3 على جبهة لبنان وجعْلها 45 يوماً (الأولى كانت لعشرة أيام والثانية 3 أسابيع) ينطوي في جانب منه على محاولةٍ لكسْب وقتٍ ريثما يكون اتّضح ما سترسو عليه جبهة إيران باعتبار أنّ اتجاهات الريح فيها، تسخيناً جديداً أو تبريداً أخيراً، ستلفح حُكْماً حزب الله ومصير سلاحه، في حين أنّ «أحجية» وَقْفِ النار الشامل لا تتوقّف فقط على لعبة «تَبادُل الانتظار» بين تل أبيب والحزب لمَن يتعهّد أولاً بالتزامه.
فالسؤال الخفيّ، وفق هذه الأوساط، الذي يفرض نفسه خلف الكواليس هو: هل تقبل إسرائيل، ومن خلْفها واشنطن، بأن يكون مضمون أي «وَعْدٍ» من حزب الله محصوراً بوقفٍ شاملٍ للعمليات في الجنوب اللبناني المحتلّ كما شمال الدولة العبرية، أم أن يأتي مشمولاً بتسليمِ قرار الحرب والسلم للدولة بمعنى التزام عدم معاودة فتْح الجبهة حتى لو اشتعلت جبهة إيران مجدداً؟
وستُعْطي الساعات المقبلة إشاراتٍ أكثر وضوحاً حيال مصير وقف النار الشامل، وسط اعتقادٍ أن الفترة الفاصلة عن موعد أول اجتماع أمني لبناني - إسرائيلي - أميركي في مقر البنتاغون في واشنطن في 29 الجاري ربما تُعتبر فسحةً لمزيد من الأخذ والردّ حول الهدنة الشاملة التي لا يُستبعد أيضاً أن تَحضر في المناقشاتِ من ضمن قائمة البحث في تفاصيل ملف سلاح «حزب الله» وكيفية جدولة سحبه وآلية التحقق من ذلك ومن المسار المقابل المتصل بالانسحاب الإسرائيلي، وهل يكون على قاعدة «الخطوة مقابل خطوة»، وما مضمون وحدود التنسيق الأمني بين الأطراف المعنية، وهل المقصود أن يكون ثلاثياً، وما دور الولايات المتحدة في هذا الإطار، هل تلعب دور «الناظم» أو «الناظر» وعبر أي «أدواتٍ»، هل وحدات خاصة مدرَّبة من الجيش اللبناني، أم تشكيلٍ عسكري من أكثر من دولة للمراقبة والإشراف يشكل ذراعاً للجنة «الميكانيزم» المصغّرة (بلا اليونيفيل وفرنسا)؟
وفي حين بدا من الصعب استشراف تأثير عدم حصول اختراق في المسار الأمني للمفاوضات، وشقه التمهيدي المتصل بوقف النار الشامل، على المسار السياسي الذي ينطلق رسمياً ومن ضمن دينامية مستقلة وإن متكاملة مع «جولات البنتاغون»، للغوص في «بوليصة التأمين» السياسية لأي تفاهمات أمنية واستكمال البحث في إعلان النيات المشترك ما لم يكن تم التوافق عليه قبلها، فإن اشتعال الميدان أمس اعتُبر إشارةً سلبيةً لمساعي إرساء هدنةٍ تضع حداً لــ «الحرب في إطار وقف النار» المستمرّة مع تحييدٍ لبيروت والضاحية الجنوبية والبقاع الشمالي.