المصدر: نداء الوطن
الأربعاء 1 نيسان 2026 07:10:20
لا يلوح في الأفق المنظور سوى استمرار لغة الحرب؛ فبينما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة حتى الآن عن كبح جماح العصابة الخارجة عن القانون ووقف مقامرتها بمصير البلاد، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية الرامية إلى القضاء على "حزب الله" وإبعاد خطره عن حدودها الشمالية. وفي حين "يحاضر" وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بأصول احترام القوانين والعلاقات الدولية، تستمر سفارة "الحرس الثوري" في تمرّدها على قرار الدولة اللبنانية بطرد السفير محمد رضا شيباني.
وسط هذا الواقع المشتعل من ناحية والموصد أمام أي حلول قريبة من ناحية أخرى، اتخذت القرى المسيحية في الشريط الحدودي موقفًا استثنائيًا بالصمود في أرضها، متجاوزةً قرار انسحاب أو إعادة انتشار القوى الأمنية والعسكرية. لقد اختار أهالي دبل، عين إبل ورميش المتروكين لمصيرهم المواجهة بالبقاء، وكأنهم في قرارهم يحاولون ضخ روح الشجاعة في عروق السلطة السياسية المترددة. وفي هذا السياق، أشار مصدر سياسي متابع لقضية الجنوبيين، إلى أن موقف الأهالي أعاد تسليط الضوء على ما عاشته تلك المنطقة خلال مرحلة "اتفاق القاهرة" عام 1969، التي مهدت لاندلاع حرب 1975 وطرد الدولة من الجنوب وترك المسيحيين تحديدًا لمصيرهم. واعتبر المصدر أن هؤلاء الأهالي يمثلون نموذجًا أصيلًا للانتماء الوطني، مؤكدًا أن حملات التخوين التي تستهدفهم ليست إلا انعكاسًا لإفلاس أصحابها.
هذا وكشف مرجع كنسي لـ "نداء الوطن" عن حراك سياسي ودبلوماسي مكثف تقوده الكنيسة بالتنسيق مع الدولة لضمان أمن القرى الصامدة في الشريط الحدودي، بمختلف انتماءاتها. وتهدف هذه الاتصالات إلى تأمين "شريان حياة" يربط الجنوب بالعمق اللبناني، بما يضمن إيصال المساعدات وتعزيز مقومات الصمود للأهالي في أرضهم، مشدّدًا على ضرورة المحافظة عليهم، لأنهم آخر ما تبقى من حضور للدولة اللبنانية في الجنوب.
وفيما الغارات الاسرائيلية تتنقل بين الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية حتى وصلت أمس إلى منطقة المنصورية، وإحراق وهدم العديد من المنازل في الجنوب، في منطقة وطى الخيام وعين عرب وغيرها من القرى الحدودية، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمس، "أننا نعمل على إنشاء أحزمة أمنية واسعة وتطهير قرى الإرهاب في جنوب لبنان. كما نعمل على ضمان عدم فرض وقف إطلاق نار علينا في لبنان حال التوصل لوقف إطلاق نار مع إيران". واعتبر أن وقف إطلاق النار في لبنان يجب أن يكون قرارًا مستقلًا من إسرائيل. وأوعزت بتجنب إرسال جنودنا إلى منازل في جنوب لبنان واستخدام الذخائر والآليات الهندسية لتقليل الخسائر المؤلمة".
بدوره، أشار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى "أننا سننشر قوات الجيش في المنطقة بأكملها حتى الليطاني". وقال: "لن يتمكن 600 ألف من سكان جنوب لبنان الذين تم إجلاؤهم من العودة إلى منطقة أمنية داخل لبنان بعد انتهاء العملية، وسنقيم منطقة عازلة في جنوب لبنان وسنبقي سيطرتنا حتى ضمان سلامة سكان شمالي إسرائيل"، موضحًا أنه "سيتم هدم جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان". وأضاف: "عازمون على فصل لبنان عن الساحة الإيرانية وعازمون على تغيير الوضع في لبنان تغييرًا جذريًّا من خلال وجود أمني للجيش بالمواقع المطلوبة". ولفت إلى أن "وضعنا في لبنان سيكون كما هي الحال في سوريا وغزة".
بالتوازي مع هذه التصريحات، أعلن الجيش الإسرائيلي أن "مهمة القوات كانت السيطرة على خط المرتفعات لمنع استمرار إطلاق النار نحو البلدات الإسرائيلية"، مردفًا أن "الهدف ليس تدمير جميع القرى اللبنانية الحدودية بل تطهيرها واستهداف بنى حزب الله التحتية". وأشار إلى أن "لا نية للعودة إلى الحزام الأمني في لبنان".
تحرّك فرنسي يتيم
إزاء هذا الصفيح الميداني الساخن، يبحث لبنان الرسمي عن مخرج دبلوماسي للحدّ من هذا الانزلاق الخطير الذي تشتد وطأته يومًا بعد يوم. فخلافًا لمرحلة ما قبل انخراط "حزب الله" في "جبهة إسناد إيران"، حين كانت بيروت تضجّ بالحراك الدبلوماسي العربي والدولي، بات المشهد اليوم يقتصر على التحرك الفرنسي اليتيم وبعض البيانات الأوروبية. في هذا الإطار، كشفت مصادر "نداء الوطن" أن باريس نقلت إلى بيروت، عبر قنواتها الدبلوماسية ومن خلال وزيرة دفاعها، تحذيرات بالغة الجدية من تفاقم الوضع الميداني واتجاهه نحو مزيد من التصعيد. وأشارت المعلومات إلى انسداد أفق التفاوض حاليًا في ظل انكفاء واشنطن عن الضغط على تل أبيب وعدم تجاوب نتنياهو مع المبادرات الفرنسية، وسط مخاوف باريسية من توسع رقعة الاجتياح البري وتمدده زمنيًا وجغرافيًا من دون سقف محدد.
في غضون ذلك، زارت الوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية أليس روفو لبنان أمس، لإظهار دعم فرنسا لسيادة لبنان، واستمرار التزام بلادها الراسخ تجاه لبنان، لا سيما في إطار قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) منذ عام 1978، وفق ما أعلنت السفارة الفرنسية.
رسالة دعم أوروبية
في المقابل، دعا وزراء خارجية 10 دول أوروبية بينها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، أمس، إسرائيل لتجنب توسيع عملياتها العسكرية في لبنان، واحترام سلامة الأراضي اللبنانية. وجاء في بيان مشترك وقعته أيضًا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، أن الدول الموقعة تعبر عن "دعمها الكامل لحكومة لبنان وشعبه، الذين يعانون مرة أخرى من التداعيات المأسوية لحرب ليست حربهم". كما طالب البيان "كل الأطراف، في كل الظروف، بضمان سلامة وأمن عناصر ومقار اليونيفيل، وضمان أن تبقى قنوات خفض التصعيد مفتوحة"، مستنكرين "الخسائر غير المقبولة في الأرواح".
وكان قُتل جندي إندونيسي في القوة الدولية مساء الأحد في الجنوب بنيران مصدرها دبابة إسرائيلية، بحسب ما أفاد مصدر أمني من الأمم المتحدة أمس لوكالة "الصحافة الفرنسية". وفي اليوم التالي، قُتل جنديان آخران من الكتيبة الإندونيسية في انفجار رجّح المصدر ذاته أن يكون ناجمًا عن لغم.
اجتماع طارئ لمجلس الأمن بشأن لبنان
في هذا الإطار، عقد مجلس الأمن أمس اجتماعًا طارئًا، بشأن لبنان. وندّد مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، أحمد عرفة، بالاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، معتبرًا أنها تطول مجلس الأمن مباشرة، وتقوّض سمعته ومصداقيته أمام شعوب العالم، محملًا المجلس مسؤولية تحديد ومحاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات.
أعلن عرفة في كلمته "تمسّك لبنان بقوات اليونيفيل أكثر من أي وقتٍ مضى"، مشدّدًا على أهمية الحفاظ على وحدة القوات المساهمة في "اليونيفيل" وضمان استمرارية مشاركتها.
ثم أشار إلى أن "الأثمان التي يدفعها اللبنانيون بسبب هذا الصراع ثقيلة ومرهقة"، وأن اللبنانيين "لم يختاروا هذه الحرب بل فرضت عليهم"، مضيفًا أن "حزب الله" قرّر منفردًا خوض حربٍ في وقتٍ كانت فيه الحكومة اللبنانية تبدي انفتاحًا على حوارٍ كان من المفترض أن يؤدي إلى حلولٍ سياسية مستدامة، ويوفر إطارًا لمعالجة المسائل العالقة". وطالب عرفة بوقف "الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والفقة القضائي لمحكمة العدل الدولية"، مندّدًا بتصريحات وزيري الدفاع والمالية الإسرائيليين بشأن عزم الجيش الإسرائيلي على احتلال جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، واعتبار الحدود الإسرائيلية الجديدة عند مجرى النهر"، داعيًا مجلس الأمن إلى التحرك الفوري لإدانة هذه التصريحات واتخاذ الإجراءات اللازمة لإلزام إسرائيل بوقف توغلاتها وتهديداتها لوحدة أراضي لبنان واستقلاله السياسي، وسحب قواتها إلى الحدود المعترف بها دوليًا.
واستنكر عرفة أيضًا تهديدات الحرس الثوري الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية، مما دفع إلى إخلاء حرمي الجامعتين وتعليم الطلاب عن بُعد، داعيًا إيران إلى ضرورة احترام سيادة لبنان وقراراته السيادية ووقف تدخلها في شؤونه الداخلية.