المصدر: إرم نيوز
الكاتب: عصام العبيدي
الجمعة 17 تموز 2026 08:50:43
دخل ملف الحدود العراقية-السورية مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما أعلنت الحكومة العراقية تشكيل لجنة تحقيق عليا بالتنسيق مع الجانب السوري، عقب إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة كانت مخبأة داخل صهريج نفط قادم من العراق.
وأظهرت التحقيقات السورية الأولية أن الشحنة كانت في طريقها إلى حزب الله ، في تطور يضع بغداد أمام اختبار أمني جديد يتعلق بقدرتها على ضبط الحدود ومنع استخدام أراضيها ممرًا لعمليات تهريب السلاح إلى دول الجوار.
جاء التحرك العراقي بعد إعلان وزارة الداخلية السورية أن كوادر الجمارك في منفذ التنف الحدودي ضبطت الشحنة خلال إجراءات التفتيش الاعتيادية، بعدما أثار أحد صهاريج النفط الشبهات.
وأسفرت عملية التفتيش عن العثور على صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجهة مضادة للدروع، وطائرات مسيّرة، قبل أن تؤكد دمشق أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الشحنة كانت معدة للعبور نحو لبنان لمصلحة حزب الله، في حين نفى الحزب هذه الاتهامات نفيًا قاطعًا.
وفي بغداد، أعلنت قيادة العمليات المشتركة، بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، تشكيل لجنة عليا تضم الجهات الأمنية المختصة للتحقيق في جميع ملابسات القضية، مع فتح قنوات تنسيق مباشرة مع السلطات السورية، بهدف كشف جميع تفاصيل العملية، ومحاسبة المقصرين، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الحوادث التي تمس الأمن الوطني العراقي.
تحقيقات معمقة
وكشف ضابط في حرس الحدود العراقي لـ"إرم نيوز" أن التحقيقات العراقية انطلقت على عدة مسارات في وقت واحد، ولا تقتصر على معرفة كيفية عبور الشحنة، بل تشمل مراجعة الإجراءات الأمنية التي رافقت مرورها داخل الأراضي العراقية، والتدقيق في عمل المنافذ الحدودية، وآليات التفتيش، ومسار الصهريج منذ دخوله وحتى وصوله إلى الحدود السورية.
وأضاف الضابط، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن لجنة التحقيق باشرت استدعاء مسؤولين وضباط وعناصر يعملون في المنافذ الحدودية والمفارز الأمنية التي مر بها الصهريج.
وبيّن أنه يجري تدقيق تسجيلات كاميرات المراقبة، وأجهزة الفحص الإلكتروني، وسجلات حركة الشاحنات، إضافة إلى مراجعة الاتصالات والإجراءات الإدارية التي رافقت عملية العبور، لمعرفة ما إذا كانت هناك حالات تواطؤ أو تقصير أو استغلال للثغرات الأمنية.
وأوضح الضابط العراقي أن "التحقيقات لا تستبعد وجود شبكة منظمة تقف خلف العملية، تمتلك خبرة في استغلال حركة التجارة اليومية بين العراق وسوريا، خاصة أن مئات الصهاريج تعبر يوميًا بموجب الاتفاقات الاقتصادية بين البلدين، وهو ما يمنح شبكات التهريب فرصة لمحاولة إخفاء شحنات غير مشروعة داخل الشاحنات التجارية".
وأشار إلى أن "التنسيق مع الجانب السوري يجري بصورة مباشرة لتبادل نتائج التحقيقات والأدلة الفنية، بما في ذلك إفادات السائقين والجهات التي أشرفت على عملية الضبط، فضلاً عن مطابقة المعلومات الاستخبارية التي يمتلكها الطرفان، وصولاً إلى كشف الشبكات التي تقف خلف العملية بالكامل، سواء داخل العراق أو خارجه".
وتعد الحدود العراقية-السورية، الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر، واحدة من أكثر المناطق أهمية أمنيًا في المنطقة، إذ شهدت خلال السنوات الماضية نشاطًا مكثفًا لتنظيم داعش، إلى جانب عمليات تهريب السلاح والمخدرات والأشخاص.
ودفع ذلك بغداد ودمشق خلال الأشهر الأخيرة إلى تكثيف التعاون الأمني، وعقد أول اجتماع حدودي مشترك مطلع يوليو تموز الجاري لتعزيز تبادل المعلومات وإحكام السيطرة على الشريط الحدودي.
تنامي شبكات التهريب
بدوره، قال الخبير الأمني رياض الجبوري إن "التحقيقات لا ينبغي أن تتوقف عند الشحنة المضبوطة، لأن القضية تتعلق بشبكات إمداد تشكلت على مدى سنوات، وكانت تعتمد على الأراضي العراقية والسورية لنقل الأسلحة والعتاد إلى حزب الله اللبناني، في إطار ما يعرف بـ(محور المقاومة)".
وأضاف الجبوري لـ"إرم نيوز" أنه "قبل سقوط نظام بشار الأسد كانت خطوط الإمداد البرية بين العراق وسوريا ولبنان أكثر سهولة، وكانت أجزاء واسعة من الحدود تخضع لنفوذ جماعات وفصائل متحالفة مع إيران، ما وفر ممرًا طبيعيًا لحركة السلاح والعتاد".
وذكر أن "المتغيرات التي شهدتها سوريا خلال العامين الماضيين أغلقت جانبًا كبيرًا من تلك المسارات، ما دفع الشبكات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل وطرق جديدة، من بينها استغلال حركة التجارة والشحنات المدنية".
وأشار إلى أن "الفصائل العراقية ترتبط بعلاقات سياسية وعقائدية وعسكرية مع حزب الله اللبناني منذ سنوات، ولذا فإن أي تحقيق في عمليات تهريب السلاح ينبغي أن ينظر إلى الصورة الكاملة، لا إلى حادثة منفردة، لأن هذه الشبكات تقوم على حلقات مترابطة تمتد عبر أكثر من دولة".
ويقول مختصون إن هذه القضية قد تتحول إلى نقطة تحول في إدارة الملف الحدودي، خصوصًا إذا قادت التحقيقات إلى تفكيك شبكات التهريب ومحاسبة المتورطين، في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية إلى ترسيخ التعاون الأمني مع دمشق، وتعزيز ثقة شركائها الإقليميين والدوليين بقدرتها على ضبط الحدود، ومنع استخدام الأراضي العراقية ممراً للسلاح أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.