المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الجمعة 15 أيار 2026 07:11:50
لم يقف معظم الوسط السياسي اللبناني عند ظاهرة الظواهر في تجسيد ارتباط أذرع إيران بقيادتها، حين تسربت معلومات عن مشاركةٍ مباشرة لـ"حزب الله" في الوفد المرافق للمفاوضين الإيرانيين في جولة إسلام آباد.
لكن ذلك لم يحجب إطلاقاً الذهول المتصاعد لدى الوسط السياسي برمته، بشقه الرسمي الرئاسي الحكومي الدستوري وبشقه السياسي الحزبي النيابي، حيال "لازمة" يكررها رئيس مجلس النواب نبيه بري، بتشبثه بالرهان على مسار إسلام آباد رافضاً إعطاء أي ورقة أو رهان أو مشروعية للمفاوض اللبناني مع إسرائيل، حتى لتكاد هذه المعادلة تتجاوز في دلالاتها العدائية مع خيار التفاوض المباشر الذي قررته الرئاسة والدولة في لبنان، تلك العدائية الحربية التي سادت أيام المفاوضات على اتفاق 17 أيار/مايو عام 1983 بعد اجتياح إسرائيل للبنان حتى عاصمته بيروت.
التجربة الأقسى
مفاد إثارة هذا الجانب من جوانب التعقيدات المأزومة في رحلة المفاوض اللبناني، الذي شرع أمس في التجربة التي ستكون الأشد صعوبة وقسوة من خلال مفاوضات مباشرة برعاية أميركية في واشنطن، أن الفئة اللبنانية التي يختصرها الثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله" بتصعيدها التعقيد الداخلي في وجه الدولة اللبنانية المفاوضة، تطمح بقوة إلى جعل حربها على الخيار اللبناني موازياً ومتناسقاً مع التعقيدات الإيرانية على مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية لكي تحقق الثنائية الشيعية تكراراً تجربة إسقاط الاتفاقات الكبرى بين لبنان وإسرائيل وتبقي ذراع إيران طويلة ونافذة ومؤثرة في لبنان.
لقد حوصرت الدولة اللبنانية في رحلة التفاوض هذه في الميدان كما في الديبلوماسية على نحوٍ خانق يكاد البحث معه عن إمكانية النفاد من الحصارين أن يكون أشبه بالبحث عن إبرةٍ في جبل من قش.
ليس ثمة فوارق إطلاقاً بين عدوانيةٍ حربية تتصاعد في الجنوب وعبره في مناطق مرشحة لاتساع الحرب، وعدوانيةٍ سياسية ضد الدولة تناهض حالة عارمة من النقمة اللبنانية على الحزب الذي يخدم إيران حتى آخر شيعي ولبناني ويتيح لإسرائيل القضم الناري والاحتلالي المفتوح بلا خطوط حمراء إطلاقاً.
ثقافة التخوين
وفي موازاة الحملات المقذعة التي يشنها هذا الحزب المعروف بثقافة التخوين الهابطة أساساً، على رئاستي الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية خصوصاً، من دون ذكر خصومه التقليديين الذي صاروا الآن يشكّلون كلّ من هم خارج الثنائي الشيعي بما فيهم المعارضة الشيعية لتسلط الثنائي، ترتسم معالم الأزمة الأكبر من الحرب الراهنة وتداعياتها حين يحل السؤال الذي لا مفر من مواجهته: ماذا عن اليوم التالي بعد الحرب في النظام والسياسة وإدارة لبنان الخراب الذي تسبب به "حزب الله" خدمة لإيران؟
أياً تكن نتائج المفاوضات المباشرة التي بدأت عملياً في الجولة الثالثة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، سواء راوحت مكانها أو تقدمت بخطوات النملة أو أخفقت وفشلت، "اليوم التالي" بدأ فعلاً على يد الذين لم يكتفوا باستجرار الحرب الإسرائيلية واحتلالها ودمارها وتهجيرها لما يقترب مما يناهز نصف مناطق جنوب لبنان حتى الساعة، مع حصيلةٍ دموية مخيفة، بل يذهبون في اتجاه أخطر وأشدّ عبر إطاحة "اللبننة" الكاملة للخروج من كارثتهم بالتفاوض عبر محاولاتهم المستميتة إلحاق لبنان بوصاية المفاوض الإيراني وتجيير الدماء اللبنانية والكارثة اللبنانية لنظام الملالي المتهاوي.
وهذا اختبار كارثي إن لم تقف الغالبية اللبنانية على سوية هذا التحدي وتحاصر محاصريها من ضمن استراتيجيةٍ باتت أشدّ من ملحّة وعاجلة، لأن ارتهان لبنان بهذه الطريقة للحرب التي يصعب توقفها أو لطموحات الفريق التبعي لإيران، سيؤديان بلبنان إلى الاضمحلال كدولة هذه المرة وبأسوأ بكثير مما رافق إسقاط اتفاق أيار وأعقبه في الثمانينات.
فالتاريخ يعيد نفسه حين تنتصر هذه التبعية التي لا شفاء منها إلا بالحسم الداخلي أولاً وأخيراً.