جبل الريحان على الطاولة.. إسرائيل توسع حسابات التوغل في جنوب لبنان

قالت مصادر دبلوماسية أمريكية لـ"إرم نيوز" إن توسيع إسرائيل مناطق العمق الأمني بعد السيطرة على تلة علي الطاهر يأتي ضمن خطة يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مستندة، إلى ضوء أخضر أمريكي مشروط يسمح باستهداف المواقع العسكرية والاستراتيجية التابعة لحزب الله، مع تجنب العاصمة بيروت والمناطق السكنية في مدن الجنوب وعدم استهداف الجيش اللبناني.

وأضافت  المصادر، أن نتنياهو تجاوز لاحقًا بعض المحددات التي نوقشت خلال اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض نهاية يوليو الماضي، بعدما قدمت إسرائيل لواشنطن معلومات قالت إنها تثبت وجود خبراء من الحرس الثوري الإيراني في مواقع بجنوب لبنان، ومشاركتهم في إدارة تحركات عناصر حزب الله في أكثر من منطقة، من بينها علي الطاهر، إلى جانب استخدام منازل داخل قرى جنوبية لإطلاق صواريخ باتجاه مواقع حدودية إسرائيلية.

ويواصل الجيش الإسرائيلي عملياته في جنوب لبنان بعد فرض سيطرة عملياتية على تلة علي الطاهر، بالتزامن مع تأكيد نتنياهو استمرار استهداف البنية العسكرية لحزب الله.

وفي المقابل، تتصاعد المخاوف من اتساع العمليات إلى مستويات أكبر، فيما يربط مراقبون بين مسار التصعيد وحسابات داخلية إسرائيلية قبيل استحقاقات الكنيست المرتقبة في أكتوبر، وهي تقديرات تظل محل قراءة سياسية وليست موقفًا إسرائيليًا معلنًا.

وفي سياق التداعيات الاقتصادية للحرب، قال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أمام مجلس النواب إن كلفة حربين تعرض لهما لبنان منذ عام 2023 قد تتجاوز 27 مليار دولار، بعدما بلغت كلفة الحرب الأولى، وفق تقديراته، نحو 14 مليار دولار.

عمق أمني

وقال دبلوماسي أمريكي مطلع على ملف التفاوض اللبناني الإسرائيلي إن المناطق التي تستهدفها إسرائيل في عملياتها الحالية ترتبط، في المقام الأول، بمحاولة منع وجود ممرات أو مواقع يمكن استخدامها لتنفيذ هجمات على شمال إسرائيل.

وأضاف الدبلوماسي لـ"إرم نيوز" أن التصور الإسرائيلي يقوم على تنفيذ عمليات استباقية تستهدف البنية العسكرية التي ترى تل أبيب أنها تمثل تهديدًا لأمنها، مع السعي إلى منع حزب الله من إعادة بناء قدراته في المناطق القريبة من الجبهة.

ووفق المصدر ذاته، تنظر إدارة ترامب إلى التحركات الإسرائيلية في جنوب لبنان ضمن سياق أوسع يتعلق بتقليص النفوذ العسكري الإيراني، ولا سيما في ضوء المعلومات التي قدمتها إسرائيل بشأن نشاط عناصر من الحرس الثوري الإيراني في الجنوب، إلى جانب معلومات تلقتها واشنطن من جهات لبنانية حليفة بشأن عمليات تهريب أسلحة إيرانية إلى حزب الله خلال الفترة الأخيرة.

 ما بعد علي الطاهر

ويرى خبراء عسكريون ومراقبون أن الأولوية الإسرائيلية الحالية تتركز على تثبيت السيطرة الكاملة على تلة علي الطاهر والتحكم بنقاطها الاستراتيجية، قبل الانتقال المحتمل إلى مناطق أعمق، وفي مقدمتها إقليم التفاح، فيما يبقى البقاع الشمالي ومنطقة الهرمل ضمن الأهداف الأكثر حساسية بسبب ما يُعتقد أنه انتشار للصواريخ الاستراتيجية لحزب الله هناك.

وقال الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي إن استكمال السيطرة على علي الطاهر يمثل، من وجهة النظر العسكرية، مهمة استراتيجية لإسرائيل نظرًا إلى موقع التلة الذي يربط بين ثلاثة محاور رئيسة في الجنوب.

وأضاف بالوكجي لـ"إرم نيوز" أن منطقتي الريحان وسجد تتمتعان بارتفاعات أكثر أهمية، وتضمان، بحسب تقديراته، مواقع مرتبطة بمنظومات «عماد-4» ومنصات صاروخية وقدرات للمسيّرات تابعة لحزب الله.

ويرى أن السيناريو الإسرائيلي الأبعد قد يقوم على تشديد الضغط على محور النبطية وقطع ارتباطه بالزهراني، قبل الانتقال باتجاه محور الريحان–سجد ومحاولة تطويقه وصولًا إلى نهر الأولي، معتبرًا أن إقليم التفاح يمثل إحدى أهم مناطق الثقل العسكري لحزب الله.

وبحسب بالوكجي، يتصل هذا المسار أيضًا بمحاولة فصل خطوط الإسناد والقاعدة اللوجستية لحزب الله عن امتدادها باتجاه البقاع الشمالي.

لكنه استبعد أن تتحول جميع هذه المحاور إلى أهداف فورية في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن توسيع العمليات إلى هذه المناطق قد يؤدي إلى ردود على شمال إسرائيل، وهو ما قد يضيف ضغوطًا داخلية على الحكومة الإسرائيلية.

 الريحان وسجد على الطاولة

ويعتقد بالوكجي أن إسرائيل قد تلجأ إلى تجزئة أهدافها العسكرية المقبلة، بحيث تتزامن التحركات باتجاه الريحان وسجد مع جولات التفاوض المقبلة، بما يسمح باستخدام التطورات الميدانية أوراق ضغط خلال المباحثات.

ويرى أن إقليم التفاح يظل أكثر المناطق حساسية في أي سيناريو من هذا النوع، بسبب موقعه في منظومة حزب الله العسكرية وصلته بخطوط الإمداد والانتشار الأعمق.

من جانبه، قال الباحث في العلاقات اللبنانية الدولية نايف عازار إن السيطرة على علي الطاهر لن تكون، في تقديره، نهاية التحركات الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن المسار بدأ من محيط قلعة الشقيف قبل أن يمتد باتجاه عدد من التلال والمواقع الاستراتيجية.

وأضاف عازار لـ"إرم نيوز" أن حزب الله رفض، بحسب تقديره، تسليم بعض هذه المواقع إلى الجيش اللبناني رغم تصاعد الضغوط العسكرية عليها، قبل أن تنتقل السيطرة عليها إلى الجانب الإسرائيلي.

من الجنوب إلى البقاع؟

ويتوقع عازار أن تضع إسرائيل جبل الريحان في دائرة تحركاتها المقبلة، قبل التوجه نحو إقليم التفاح، فيما قد ينتقل الضغط في مرحلة لاحقة باتجاه البقاع، في ظل استمرار امتلاك حزب الله ترسانة صاروخية متقدمة.

ويربط عازار احتمالات تشديد الضغط العسكري أيضًا بحسابات نتنياهو الداخلية قبل الانتخابات، مشيرًا إلى وجود انتقادات داخل مستوطنات شمال إسرائيل للحكومة بسبب عدم التوصل حتى الآن إلى تسوية نهائية لملف سلاح حزب الله.

وبحسب تقديره، يسعى نتنياهو إلى تحويل الإنجازات الميدانية إلى أوراق يمكن استخدامها داخليًا وعلى طاولة المفاوضات، ولذلك قد يحاول السيطرة على مواقع أكثر عمقًا لتحسين شروط إسرائيل في أي تسوية لاحقة.

ويرى عازار أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان سيظل مرتبطًا، في التصور الإسرائيلي، بانتشار الجيش اللبناني واستكمال ترتيبات نزع سلاح حزب الله، متوقعًا أن تسعى تل أبيب إلى الاحتفاظ بتموضعات أمنية لفترة انتقالية باعتبارها ورقة تفاوضية ضمن أي ترتيبات سياسية وأمنية مستقبلية.