جوازات الموتى والتسهيلات الأمنية.. الممر السري للحرس الثوري من لبنان إلى العالم

كشفت تقارير استخباراتية أمريكية مسربة عن اختراق غير مسبوق في منظومة الوثائق الثبوتية اللبنانية، محذرة من تحول سيادة الدولة إلى "مظلة أمنية مخفية" للحرس الثوري الإيراني .

وتفيد المعلومات التي تضمنتها التقارير الاستخبارية، بأن عناصر بارزين من الحرس الثوري الإيراني نجحوا في اختراق الحدود والمطارات الدولية مستخدمين جوازات سفر لبنانيّة شرعيّة وحقيقيّة، جرى استصدارها بناءً على بيانات مدنية تعود لمواطنين لبنانيين متوفين لم يتم إسقاط قيودهم في السجلات المدنية اللبنانية عمدًا.

ويتزامن الكشف عن هذه المعلومات في الوقت ذاته الذي تفرض فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رقابة تكنولوجية وبشرية مشددة على حركة الطيران من وإلى مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت.

ويضع هذا الملف الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتحديدًا المديرية العامة للأمن العام، تحت مجهر العقوبات والمساءلة الدولية، وسط شبهات بتورط وتسهيل من عناصر نافذين لصالح الأجندة الإيرانية وحزب الله.

خفايا الهويات البديلة

وتكشف مصادر غربية  تحدثت لـ"إرم نيوز"، عن خلفيات المعطيات التي استندت إليها وكالات الاستخبارات الأمريكية فيما وصلت إليه من معلومات، حيث تبين أن الأسلوب المتبع لا يعتمد على التزوير التقليدي للورق، بل على ما يُعرف استخباراتيًا بتزوير المدخلات الشرعية.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن هذه الآلية تتلخص في استغلال ثغرات إدارية مقصودة داخل دوائر النفوس، لا سيما في البيئات الحاضنة لحزب الله، حيث يتم تعمد عدم التبليغ عن وفيات بعض الأشخاص، حيث يتم  لاحقًا التقدم بطلبات للحصول على هويات وجوازات سفر بيومترية حديثة مستندة إلى بيانات حقيقية، لكن مع استبدال البصمة الحيوية والصورة الشخصية بصورة الكادر الإيراني أو المقاتل التابع للحرس الثوري.

وتؤكد المصادر الغربية، أن هذا الأسلوب المعقد يجعل من الصعب جدًا على أنظمة التدقيق العادية في مطارات العالم اكتشاف الخرق، نظرًا لأن جواز السفر صادر عن جهة رسمية، ويمتلك رقمًا تسلسليًا صحيحًا ومدرجًا في قواعد البيانات الحكومية اللبنانية.

وتشير المصادر، إلى أن هذه الطريقة جرى استخدامها بكثرة لتهريب خبراء طائرات مسيرة وفنيين عسكريين إيرانيين إلى داخل لبنان لتعزيز جبهة الجنوب، أو لتسهيل حركة قيادات ميدانية نحو عواصم إقليمية وأوروبية تحت غطاء مواطنين لبنانيين بداعي السياحة أو التجارة.

معابر بيروت السيادية

ولم تعد التحذيرات الأمريكية تقتصر على التصريحات السياسية، بل تُرجمت إلى إجراءات رقابية استثنائية في الآونة الأخيرة.

وتفيد المصادر الغربية، أن واشنطن أبلغت المراجع الرسمية اللبنانية بامتلاكها أدلة تفيد بأن عناصر من الأمن العام اللبناني في مطار ومرفأ بيروت يقدمون تسهيلات لوجستية مباشرة لحزب الله، تشمل التغاضي عن تفتيش حقائب دبلوماسية إيرانية، وتسهيل دخول وخروج أشخاص مشبوهين دون ختم جوازاتهم على المنصة الموحدة.

وكانت طائرات مدنية إيرانية خضعت مؤخرًا لتفتيش دقيق واستثنائي في مطار بيروت بناءً على معلومات تقاطعت مع تحذيرات غربية، وشمل التفتيش حقائب شخصية لدبلوماسيين إيرانيين.

وترى الدوائر الأمريكية، أن السيطرة الميدانية غير الرسمية لحزب الله على المنشآت الحيوية للدولة اللبنانية باتت تهدد أمن الملاحة الدولية، وتجعل من تلك المرافق بيئة التفاف مباشرة على العقوبات المفروضة على طهران.

 الاختراق المؤسسي

يعلق المحلل السياسي ياسين الدويش، على ما تضمنته التقارير الاستخبارية الأمريكية بالقول، إن إصدار جواز سفر لبناني يحمل بيانات شخص متوفى وصورة شخص آخر حي لا يمكن أن يمر تقنيًا إلا بوجود شبكة تواطؤ داخلية ممتدة من مخاتير البلدات وصولًا إلى الموظفين المسؤولين عن إدخال البيانات الحيوية في الأمن العام.

ويشير في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن نظام الجوازات البيومترية الحديث مصمم لمنع التزوير، لكنه يقف عاجزًا عن اكتشافها إذا كانت البيانات المدخلة في الأساس حقيقية وغير مزيفة، مؤكدًا أن من شأن ذلك ضرب صدقية الوثائق اللبنانية دوليًا وتهدد بوضع جواز السفر اللبناني على اللوائح السوداء للتدقيق الفائق في مطارات العالم كافة.

ويرى أن توقيت الكشف عن هذه المعلومات يحمل رسائل سياسية قاطعة لبيروت، حيث إن إدارة ترامب الحالية تتبنى سياسة صفر تسامح مع النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبرًا أن هذه التسريبات الاستخباراتية تعد بمنزلة إشعار أخير للحكومة اللبنانية بأن الغطاء الدولي قد يُرفع عن مؤسساتها الأمنية إذا لم تبادر فورًا لتطهير إداراتها من الولاءات الحزبية.

الموقف الرسمي اللبناني

وكانت المديرية العامة للأمن العام اللبناني سارعت إلى إصدار بيان، نفت فيه جملة وتفصيلًا صحة الادعاءات المتعلقة بمنح جوازات سفر مزورة أو التواطؤ في تزوير الهويات، مؤكدة أن أنظمتها الرقابية الرقمية تخضع لأعلى معايير الأمان الدولية، وأن أي حديث عن جوازات سفر غير سليمة هو محض شائعات تستهدف النيل من سمعة المؤسسة الأمنية اللبنانية.

غير أن مصادر قضائية لبنانيّة تحفظت على ذكر اسمها أشارت إلى أن تحقيقات سابقة جرت خلف الكواليس كشفت بالفعل عن حالات لإصدار وثائق بناءً على وقوعات وتذاكر هوية غير صحيحة، وأنه تم توقيف عدد من السماسرة والموظفين الصغار في ذلك الوقت، ما يعكس وجود ثغرات حقيقية يمكن النفاذ منها.

السيناريوهات المتوقعة

وفي ظل الإصرار الأمريكي على تضييق الخناق على ممرات الحرس الثوري الإيراني، فقد بات من المتوقع فرض عقوبات مباشرة على بعض الضباط والمسؤولين في الأمن العام اللبناني يشتبه بتواطئهم، ما يؤدي إلى عزل أفراد داخل المنظومة الأمنية، وزيادة الشروط المفروضة لمنح اللبنانيين تأشيرات دخول للخارج.

ويتوازى ذلك مع احتمالية تثبيت إدارة دولية أو مشتركة للمنافذ تلبية للمطالبات الأمريكية بوضع مطار بيروت والمرفأ تحت إشراف أو رقابة تكنولوجية من قوات دولية لحماية الملاحة، ما يشكل جرحًا إضافيًا في السيادة اللبنانية الرسمية، ومواجهة سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة من جهة، وحزب الله من جهة أخرى.

أما المسار الإصلاحي لمعالجة الأزمة، فيتمثل في التحول الشامل نحو الهوية الرقمية في حال رضوخ الدولة اللبنانية للمطالب الدولية بإصلاح جذري لسجلات النفوس واعتماد الجيل الجديد من التدقيق الحركي المربوط بالسجلات الحية، ما يساهم بإغلاق الثغرات الإدارية، وإسقاط آلاف القيود للمتوفين التي استغلت لسنوات في عمليات التزوير والاستخدام البديل.

وفي كل الأحوال، فإن لبنان يواجه منعطفًا هو الأخطر على مستوى أمنه السيادي، فلم يعد الصراع محصورًا في الحدود البرية أو الترسانات العسكرية، بل انتقل إلى عمق الدوائر الإدارية الرسمية التي تمنح الشرعية القانونية للأفراد.

إن ثبوت استخدام الحرس الثوري لجوازات السفر اللبنانية يعري مؤسسات الدولة، ويضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما المبادرة الفورية لتنظيف وتطهير دوائر النفوس والأمن العام من الاختراقات، وإما تحمل التبعات الاقتصادية والدبلوماسية القاسية لعزلة دولية شاملة قد تبدأ من معابرها الجوية والبحرية.