المصدر: النهار
الجمعة 31 تموز 2026 07:26:16
كتب السفير عبدالله الدعيس في النهار
لم تكن جولة المباحثات التي استضافتها روما بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة مجرد محطة تفاوضية جديدة لاستكمال تنفيذ “اتفاق الإطار”، بل بدت أقرب إلى نقطة تحوّل في مقاربة إدارة الصراع على الحدود الجنوبية اللبنانية. فما صدر عن الاجتماعات من مؤشرات سياسية وتقنية، وما رافقها من مواقف أميركية ولبنانية وإسرائيلية، يعكس انتقال الأطراف من مرحلة التفاوض حول المبادئ العامة إلى مرحلة البحث في آليات التنفيذ، وهو انتقال يحمل في مضمونه دلالات تتجاوز حدود المنطقتين التجريبيتين اللتين شكلتا محور الجولة، ليطال مستقبل البيئة الأمنية في جنوب لبنان، وربما طبيعة التوازنات الإقليمية في المشرق بأسره.
لقد اكتسبت الجولة أهميتها من كونها أنهت مرحلة الشكوك التي أحاطت بإمكان تطبيق اتفاق الإطار، بعدما أكدت الإدارة الأميركية انتهاء المباحثات بصورة “مثمرة وإيجابية”، والإعلان عن الانتقال إلى محادثات فنية موسعة لوضع الآليات التنفيذية، بالتوازي مع التوافق على هيكلية العمل الخاصة بالمنطقتين النموذجيتين. وتأكيد الرئيس اللبناني جوزف عون أن الاتفاق بدأ يعطي مفاعيله، بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن انسحاب إسرائيل من أجزاء من الأراضي اللبنانية سيكون خطوة إيجابية، عكس وجود إرادة سياسية لدى الأطراف الثلاثة للانتقال من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة اختبار فرص الاستقرار.
وتشير طبيعة التفاهمات التي برزت في روما إلى أن اختيار منطقتين تجريبيتين لم يكن إجراءً فنياً بحتاً، بل يعكس اعتماد مبدأ “التنفيذ التدريجي” بوصفه الخيار الأكثر واقعية في ظل تعقيدات الملف اللبناني. فبدلاً من الانتقال مباشرة إلى تنفيذ شامل لاتفاق الإطار، فضّلت الأطراف اختبار نموذج محدود يجمع بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وتطبيق آليات تحقق يتم الاتفاق عليها، على أن يشكل نجاح هذه التجربة أساساً لتوسيعها لاحقاً لتشمل بقيّة المناطق الحدودية.
وهذا يعني أن جوهر المباحثات لم يكن يدور حول أسماء القرى التي ستبدأ منها العملية أو توقيتها، بقدر ما كان يتركز على بناء آلية قابلة للاستمرار. فالانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يتحقق من دون ضمانات أمنية، وانتشار الجيش اللبناني يحتاج إلى ترتيبات قانونية وميدانية واضحة، فيما تمثل آليات التحقق الحلقة الأكثر حساسية، لأنها تقع عند نقطة التوازن بين مقتضيات الأمن الإسرائيلي ومتطلبات السيادة اللبنانية.
ومن هنا برز الخلاف حول الجهة التي ستتولى الإشراف على عملية التحقق. فإسرائيل تميل إلى إنشاء آلية جديدة تضم الولايات المتحدة وطرفاً ثالثاً يحظى بقبولها، بما يمنحها مستوى أعلى من الضمانات الأمنية، بينما يتمسك لبنان بأن تبقى أي منظومة رقابية ضمن إطار الشرعية الدولية، سواء عبر الأمم المتحدة أو قوات “اليونيفيل”، تجنباً لفرض ترتيبات قد تُفسَّر داخلياً على أنها انتقاص من السيادة الوطنية. ومن المرجح أن يبقى هذا الملف أكثر القضايا تعقيداً خلال المرحلة المقبلة، لأن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط ببدء الانسحاب، بل بمدى قبول الطرفين بمنظومة الرقابة التي سترافقه.
غير أن قراءة جولة روما من زاوية تنفيذ الاتفاق وحدها لا تكفي لفهم أبعادها الحقيقية. فالولايات المتحدة تبدو كأنها توظف هذا المسار ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب البيئة الأمنية في المشرق. فمنذ انتهاء المواجهات العسكرية الواسعة في لبنان، اتجهت واشنطن إلى بناء مقاربة جديدة تقوم على تثبيت الاستقرار عبر ترتيبات أمنية تدريجية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو انتظار تسويات سياسية شاملة يصعب تحقيقها في الظروف الراهنة. ومن هذا المنطلق، لا يمثل اتفاق الإطار هدفاً بحد ذاته، بل يشكل إحدى أدوات إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة، بما يحد من احتمالات المواجهة العسكرية، ويمنح الدولة اللبنانية دوراً أكبر في إدارة الجنوب، ويقلص في الوقت نفسه هامش تأثير الفاعلين غير الرسميين في المعادلة الحدودية.
استعادة الأرض بالتفاوض
وبالنسبة إلى لبنان، فإن نجاح الجولة يفتح نافذة سياسية وأمنية مهمة، إذ يتيح استعادة أجزاء من الأراضي المحتلة من خلال التفاوض، ويعزز موقع الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية المكلفة بإدارة الأمن في الجنوب، كما يمنح الدولة فرصة لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى دعم سياسي واقتصادي واسع. إلا أن هذه المكاسب تبقى رهناً بقدرة السلطة اللبنانية على إدارة التوازنات الداخلية، لأن أي انطباع بأن الاتفاق يتجاوز هدفه الحدودي ليصبح مدخلاً لمعالجة ملفات داخلية شائكة، وفي مقدمتها مستقبل سلاح "حزب الله"، قد يعيد إنتاج الانقسامات السياسية ويعرقل التنفيذ.
أما إسرائيل، فتنظر إلى الاتفاق من زاوية مختلفة. فالمكسب الأساسي بالنسبة إليها لا يتمثل في الانسحاب ذاته، بل في إنشاء واقع أمني جديد يحد من المخاطر على حدودها الشمالية، ويؤسّس لآلية تحقق توفر لها ضمانات أكبر من تلك التي كانت قائمة في السابق، بما يخفف من حاجتها إلى الاحتفاظ بوجود عسكري مباشر داخل الأراضي اللبنانية، ويقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات واسعة يصعب التحكم بنتائجها.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من هذا المسار، لأنها نجحت في تثبيت نفسها المرجعية الوحيدة القادرة على إدارة التفاوض بين لبنان وإسرائيل، كما عززت دورها بوصفها الضامن السياسي والأمني للترتيبات الجديدة. والأهم من ذلك أنها تعمل على تحويل نجاح الاتفاق إلى نموذج يمكن الاستفادة منه في مقارباتها الإقليمية الأخرى، سواء في الساحة السورية أو في ملفات الأمن الإقليمي، بما ينسجم مع رؤيتها القائمة على بناء منظومات استقرار تدريجية بدلاً من البحث عن تسويات كبرى يصعب إنجازها في بيئة شرق أوسطية شديدة التعقيد.
ليستا نهاية المسار
ومن هذه الزاوية، فإن المنطقتين التجريبيتين لا تمثلان نهاية المسار، بل بدايته. فإذا نجحت التجربة في تحقيق انسحاب إسرائيلي منظم، وانتشار فاعل للجيش اللبناني، وإقامة آلية تحقق مقبولة للطرفين، فمن المرجح أن يجري تعميم النموذج نفسه تدريجاً على بقية المناطق الحدودية، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه لاحقاً، بما يقود عملياً إلى استكمال تنفيذ اتفاق الإطار وإعادة رسم الواقع الأمني في الجنوب اللبناني. أما إذا تعثرت التجربة بسبب الخلافات التقنية أو التطورات الميدانية أو الاعتراضات الداخلية، فإن الاتفاق سيتحول إلى إطار سياسي غير قابل للتنفيذ، وستعود المنطقة إلى معادلة الردع المتبادل والتوتر المزمن التي حكمت الحدود خلال السنوات الماضية.
وبناءً على ذلك، فإن القيمة الحقيقية لجولة روما لا تكمن في ما أعلن عنها من تفاهمات فنية، بل في كونها دشنت مرحلة جديدة من إدارة الصراع، عنوانها الانتقال من منطق احتواء الأزمات إلى محاولة إعادة هندسة البيئة الأمنية في جنوب لبنان بصورة تدريجية. وسيكون نجاح هذه المقاربة مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع ميدانية مستقرة، لأن ما سيحدث في المنطقتين التجريبيتين لن يبقى محصوراً فيهما، بل سيرسم على الأرجح ملامح المرحلة المقبلة على امتداد الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، وربما يشكل نموذجاً لمقاربة أمنية أوسع في الإقليم إذا ما أثبتت التجربة قابليتها للاستمرار.