المصدر: نداء الوطن
الأربعاء 25 آذار 2026 08:08:16
كتب طوني أبي سمرا:
في بلدٍ يعاني أصلًا من ضعفٍ بنيوي في مؤسّساته، لم تعد القرارات الكبرى تُتخذ ضمن إطار دولة قادرة، بل وفق موازين قوى متقلّبة تفرض نفسها على حساب العدالة. هذا الواقع لا يقتصر على السياسات العامة، بل يتجلّى بوضوح في ملفات حسّاسة تمسّ الأرض والهويّة وحقوق المكوّنات اللبنانية.
الطرح المتعلّق بإقامة مخيّم للنازحين في منطقة الكرنتينا ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل نموذجًا صارخًا لكيفية إدارة هذا النوع من الملفات، كما يندرج في حملة أوسع تستهدف المسيحيين في أرضهم وبيئتهم وأمنهم واستقرارهم. فمهما كانت الدوافع الإنسانية مشروعة، لا يمكن فرض حلول بهذه الحساسية لا تحترم التوازنات المحلّية. وإلّا، فإن المبادرة تتحوّل من حلّ إنساني إلى مصدر توتر وانقسام.
وما يزيد خطورة هذا الطرح هو البعد التاريخي للمنطقة نفسها. فالكرنتينا ليست مجرّد موقع جغرافي، بل مساحة محمّلة بذاكرة صراعات سابقة تعود إلى أحداث مؤلمة خلال الحرب اللبنانية. في ضوء هذا التاريخ، فإن أيّ خطوة غير مدروسة قد تعيد فتح جروح قديمة أو تخلق احتكاكات جديدة، خاصة إذا فُهمت على أنها فرض لواقع ديموغرافي وأمني جديد. تجاهل هذا البعد لا يعكس فقط نقصًا في الحساسيّة السياسية، بل قد يحمل مخاطر حقيقية على الاستقرار المستقبلي. لن نقبل بهذا بأيّ حال من الأحوال. لن نسمح بتمرير أيّ قرار يمسّ أرضنا وهويّتنا واستقرارنا، وسنقف بحزم للدفاع عن حقوقنا التاريخية.
وتزداد حساسية هذا الطرح أيضًا في سياق قرارات وإشارات سياسية سابقة أثارت مخاوف مشروعة حول كيفية التعاطي مع مسألة الأراضي. فقد برزت توجّهات ومحاولات لإعادة فرض سياسات تغيّر الواقع الديموغرافي والجغرافي، وهو ما يعزز القلق من أن بعض المشاريع لا تُقرأ فقط في بعدها الإنساني، بل أيضًا في إطار سياسي أوسع.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه مواقع القرار، بما فيها وزارة المالية، في إدارة هذا النوع من الملفات الحسّاسة. فحين تُطرح إجراءات أو سياسات مرتبطة بالأراضي من دون وضوح كافٍ أو توافق وطني، فإن ذلك يفتح الباب أمام تفسيرات تتجاوز الإطار التقني إلى الشك في الأهداف والغايات. وقد شهد التاريخ القريب مثالًا على ذلك، حين أعاد وزير المالية، بشكل مفاجئ ودون أي منطق أو مبرّر واضح، تنفيذ قرار كان قد أصدره وزير شيعي آخر، واستهدف الأراضي المسيحية، ما أثار مخاوف مشروعة حول التكرار وإعادة فرض واقع جديد على حساب حقوق المسيحيين.
وفي ظلّ هذا المناخ، تكتسب التصريحات المنسوبة إلى نبيه بري، مستخدمًا قول أرسطو، دلالة أعمق، إذ تعكس منطقًا يعتبر "أن القوي لا يحتاج إلى عدالة، بينما الضعيف هو من يطالب بها". هذا المنطق، إن استمرّ، لا يؤدي إلّا إلى تقويض ما تبقى من فكرة الدولة والعيش المشترك.
المطلوب اليوم ليس رفضًا أعمى لأي مبادرة، بل موقفًا واضحًا يرفض فرض الأمر الواقع. ليس مقبولًا أن تُمرّر قرارات تمسّ الأرض والناس تحت عناوين إنسانية من دون شفافية، أو من دون مشاركة حقيقية من أصحاب الشأن. كما أنه لم يعد كافيًا التعامل مع هذه القضايا بمنطق المطالبة والانتظار والتعويل على تسويات موقتة.
هنا تبرز مسألة الكرامة السياسية. فالقضية لا يجب أن تكون بعد الآن "ماذا نطلب؟" بل "ماذا نرفض؟". والفرق بين الاثنين جوهري. فالذي يكتفي بالمطالبة يبقى في موقع التابع، أمّا الذي يضع حدودًا واضحة لما هو غير مقبول، فيفرض نفسه شريكًا لا يمكن تجاوزه.
هذا المعنى يتجسّد بوضوح في قصة ديوجين السينوبي (Diogenes the Cynic) والإسكندر الأكبر. عندما وقف الإسكندر، رمز القوّة المطلقة، أمام ديوجين عارضًا عليه تحقيق أيّ رغبة، لم يطلب الأخير شيئًا سوى أن يبتعد الإسكندر عن ضوء شمسه. في تلك اللحظة، لم يكن الرفض مجرّد موقف فرديّ، بل إعلان استقلال: لا حاجة لما يُمنح إذا كان ثمنه التبعية.
الرسالة اليوم واضحة وحازمة: كما رفض ديوجين أن يكون في موقف المطالب، علينا نحن أيضًا أن ننتقل من مجرّد المطالبة بحقوقنا إلى رفض أيّ مساس بها. لن نسمح بتمرير مشاريع تتجاوز حقوق المسيحيين أو تهدّد خصوصياتهم التاريخية. آن الأوان لوضع حدود واضحة، والقول "هذا ما نرفضه".
في النهاية، المسألة ليست فقط مخيّمًا هنا أو مشروعًا هناك، بل مسارًا كاملًا في إدارة البلد. إمّا دولة تحترم مواطنيها وتوازن بين واجباتها الإنسانية وحقوقهم، أو استمرار في نهج يراكم الأزمات ويعمّق الانقسامات. وبين هذين الخيارين يصبح الصمت استسلامًا وتبعية.
أدعو جميع من يؤمنون بحقوقنا إلى التمسّك بالأرض والهوية والدفاع عنهما بحزم. لا شيء يُمنح مجانًا، ويجب أن يكون لكل قرار أثره المسؤول والمشروع. آن الأوان لوضع حدّ للممارسات التي تتجاهل حقوق المسيحيين، بما في ذلك إقامة المخيّمات دون موافقة المجتمعات المحلية، والعمل على ضمان أن تكون أي حلول إنسانية عادلة وشفافة وتحترم حقوق الجميع.