حتى الدفن لم يسلم من الغلاء: صيدا تحتجّ والأوقاف تبرّر

لم يمرّ خبر رفع كلفة الدفن في مدينة صيدا مرور الكرام، بين قبر "مستعمل" وقبر "جديد"، وبأسعار وصفها البعض بالـ"سياحية"، بحيث ارتفع سعر القبر الواحد أكثر من مئة دولار. ففي مدينة تعاني أصلاً من نسب فقر مرتفعة، وبنية خدماتية هشّة، جاء القرار ليصطدم مباشرة بواقع اجتماعي مأزوم، حيث بات الموت نفسه مناسبة إضافية لاستنزاف ما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال. خلال ساعات قليلة، تحوّل الخبر إلى مادة غضب وجدال واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، عبّرت من خلالها شريحة كبيرة من أبناء المدينة عن رفضها لأي زيادة تمسّ واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية هشاشة: وداع الموتى.

ومن أبرز التعليقات التي جرى تداولها على وسائل التواصل الإجتماعية، "حضرة المفتي، كان الأجدى رفع بدلات إيجار المحلات التابعة للأوقاف بدل رفع كلفة الدفن، فهناك من لا يملك حتى ثمن لقمة العيش". تعليق يعكس شعوراً عاماً بأن القرار، لا يراعي الواقع المعيشي المتدهور ولا حجم الفجوة بين الدخل والكلفة في مدينة أنهكها الانهيار الاقتصادي.

المفتي: الدفن في صيدا لا يزال الأرخص

جاء ردّ مفتي صيدا الشيخ سليم سوسان، في حديثه لـ"المدن"، أن قرار رفع كلفة الدفن جاء نتيجة ارتفاع التكاليف الفعلية المرتبطة بعملية الدفن، من حفر وبناء وتجهيز، إضافة إلى أجور العاملين. ويشدد على أن "الدفن في صيدا لا يزال الأقل كلفة على مستوى لبنان"، موضحاً أن هذا الأمر يدفع بعض العائلات من بيروت ومناطق أخرى إلى اختيار الدفن في صيدا.

ويوضح سوسان أن الكلفة الحالية تتراوح بين 25 و35 مليون ليرة لبنانية، أي ما يقارب 300 دولار، وتشمل كامل المستلزمات. كما يؤكد أن الفقراء يُدفنون مجاناً بعد التحقق من أوضاعهم الاجتماعية، مشيراً إلى أن الأوقاف تقوم بهذه المهمة "من باب الواجب الديني والإنساني"، رغم أن قانون البلديات يضع مسؤولية الدفن أساساً على عاتق البلديات.

ويضيف أن القرار رُفع ليوم واحد فقط قبل أن يُعاد النظر فيه وتخفيضه بعد الاعتراضات، مؤكداً أن الهدف لم يكن جباية الأموال، بل تغطية الكلفة التي كانت، في بعض الحالات، أعلى من المبلغ المعتمد حالياً.

المسألة ليست مقارنة أسعار

في المقابل يلفت مختار مدينة صيدا محمد أصيري، في حديثه لـ"المدن"، إلى أن الاعتراض الشعبي لا ينطلق فقط من مقارنة كلفة الدفن في صيدا مع مناطق أخرى، بل من الإحساس العام بالضغط الاقتصادي المتراكم. ويؤكد أن "كلفة الدفن في صيدا لا تزال، من حيث الأرقام، أقل من بيروت وطرابلس، بحيث يصل سعر القبر في مدينة بيروت لحدود 4 آلاف دولار"، لكنه يضيف: "هذا ليس جوهر المشكلة. الناس اليوم غير قادرة على تحمّل أي عبء إضافي، مهما بدا محدوداً".

ويشير أصيري إلى أن للأوقاف الإسلامية في صيدا أملاكاً وعقارات كثيرة، تشمل محلات ومؤسسات تجارية في مناطق حيوية من المدينة، معتبراً أن "رفع بدلات إيجار هذه الأملاك كان يمكن أن يشكّل بديلاً أكثر عدالة من تحميل المواطنين كلفة إضافية في لحظة الفقد". كما يلفت إلى أن التكافل الاجتماعي لا يزال حاضراً في صيدا، حيث يبادر محسنون إلى تغطية كلفة دفن الفقراء، "لكن هذا لا يلغي شعور الناس بالإهانة عندما يُطلب منهم الدفع مقابل حقّ كان يُنظر إليه تاريخياً كخدمة اجتماعية".

ويستعيد أصيري مرحلة ما قبل الانهيار المالي، حين كانت رسوم الدفن لا تتجاوز مئة ألف ليرة لبنانية، وفي كثير من الحالات تُنجز مجاناً، باستثناء كلفة نقل الجثمان. "اليوم، حتى الزيادة التي تُقدَّر بمئة أو مئة وخمسين دولاراً تُحدث ضغطاً كبيراً لأنها تأتي في سياق غلاء شامل طال الغذاء، والدواء، والنقل، وكل تفاصيل الحياة".

تصنيف القبور… استفزاز إضافي

إلى جانب الكلفة، يلفت أصيري إلى نقطة أخرى أثارت امتعاض الأهالي، وهي التمييز بين "قبر جديد" و"قبر مستعمل" في القرار الصادر. بالنسبة لكثيرين، لم يكن الأمر تقنياً فحسب، بل بدا مساساً بالكرامة الإنسانية، خصوصاً في مجتمع اعتاد دفن أفراد العائلة الواحدة في القبر نفسه عند الحاجة. "اللغة المستخدمة في القرار كانت مستفزّة"، يقول أصيري، "لأنها تتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي للموت".

في بيروت قد يصل سعر القبر لـ50 ألف دولار

أما في بيروت فللقبور قصص أخرى، ووفق عضو بلدية بيروت، المحامي محمد بالوظة فإن إدارة المدافن في بيروت تتولاها جهتان أساسيتان: جمعية المقاصد، ومديرية الأوقاف الإسلامية. موضحاً في حديث لـ "المدن" أنّ جمعية المقاصد، بوصفها جمعية خاصة، تعتمد تسعيراً متحركاً لعمليات الدفن وفق الوضع المادي للعائلة، بحيث تبدأ الكلفة من نحو 500 دولار وقد تصل إلى 5 آلاف دولار، وتشمل إجراءات الدفن الأساسية من تغسيل وتكفين ونقل ودفن، فيما تضاف كلفة تعمير القبر التي قد تتراوح بين 500 وألف دولار بحسب المواد المستخدمة، وخصوصاً الرخام.

أما في مدافن الأوقاف الإسلامية، فتبلغ كلفة الدفن نحو ألفي دولار وقد ترتفع إلى ثلاثة أو أربعة آلاف دولار، من دون أن تكون هناك ملكية للأرض أو حق دائم بالقبر، إذ إن الأرض موقوفة.

ويشير بالوظة إلى أن الفارق الأساسي بين الجهتين يكمن في كلفة الأرض، إذ تفرض جمعية المقاصد ثمناً لشراء القبر في حال لم تكن العائلة تملك قبراً مسبقاً، حيث تبدأ الأسعار من نحو 15 ألف دولار وقد تصل إلى 50 ألف دولار، تبعاً للموقع والمساحة والوضع المادي، بينما لا تفرض الأوقاف الإسلامية أي كلفة متعلقة بالأرض، مكتفية بتسعير عملية الدفن نفسها وفق معاييرها المعتمدة.

أزمة مدافن

بين الموقفين، يتبيّن أن الجدل حول كلفة الدفن في صيدا يتجاوز مسألة الأرقام ليعكس أزمة أعمق في إدارة الشأن العام الاجتماعي في لبنان. ففي بلد انهارت فيه شبكة الحماية الاجتماعية، باتت حتى أكثر الحقوق بديهية — كدفن الموتى بكرامة — خاضعة لمنطق القدرة على الدفع.

وفي مدينة عُرفت تاريخياً بتكافلها الاجتماعي، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد "كم تبلغ كلفة الدفن؟"، بل "من يتحمّل هذا العبء، ولماذا يُترك الفقراء دائماً في مواجهة الخسارة وحدهم؟". سؤال يبقى مفتوحاً، بانتظار سياسات اجتماعية تحمي الأحياء… وتحفظ كرامة الموتى.