المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الجمعة 24 تموز 2026 08:41:10
لم يكن غريباً أن تستقطب "هدية" الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس اللبناني جوزف عون في أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ عام 2009 بإنهاء مقاطعة رحلات شركات الطيران الأميركي إلى بيروت التي استمرت 41 عاماً، الوهج الأكبر أو الموازي لمجمل نتائج الزيارة؛ ذلك أنه إلى إنهاء معاناة السفر المضنية عبر الرحلات الوسيطة بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية، فإن المغزى الأكبر والأثقل والأهم يتمثل في مطالع إسدال الستارة عن أقسى الصفحات وأبشعها في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية والتي تتصل بملف الإرهاب الذي أدى في الحقبات المتعاقبة منذ الثمانينات، إلى مسخ صورة لبنان مسخاً كارثياً وساهم حتى الساعة في تكبيده أكبر الأكلاف الباهظة التي كادت أن تلغي كل خصائصه التاريخية كبلد مميز في الشرق الأوسط.
تبعاً لذلك، ولو أن "الحرب العقائدية" التي تشكل حرب الإسناد الثانية لإيران التي يشنها "حزب الله" على الخيار التفاوضي للدولة اللبنانية والاتفاق الإطاري الذي نجم عنه، لم تعد تثير أي اهتمام خارج إطار رصد تفاعلات أذرع إيران في المنطقة حيال تطورات الضربات المنهجية التي تسددها الآلة الأميركية مجدداً لإيران، فإن ما يستوقف في آخر الانفجارات الانفعالية التي صدرها الحزب أخيراً هو عودته السافرة إلى التهديد بوجه متقادم من وجوه الإرهاب إياه، ملوحاً بتعطيل حركة الملاحة الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي كما بمنع وجود أي سفير أجنبي في لبنان، إذا استمرت إجراءات الدولة بتقنين رحلات الطيران الإيراني إلى بيروت مترافقة مع رفض اعتماد السفير الإيراني المعين في بيروت.
هذا التهديد الذي أطلقه الرمز الحزبي المتخصص بهذا الصنف من التهويل والوعيد والمنوط به رفع سقوف الاستفزاز والتحدي الكلامي محمود قماطي، اكتسب "تلوينة" مختلفة عن أنماط التهويل التي فقدت واقعياً كل مفاعيلها منذ غرق هذا الحزب، وسط الضربات القاصمة الوجودية التي تلقاها على يد الآلة الحربية والاستخباراتية الإسرائيلية بعدما جرفه "طوفان الأقصى" إلى التورط بتوجهات إيرانية في حروب الإسناد القاتلة، فغرق أيضاً في هبوط إعلامي دعائي كارثي لم يعد يفرز سوى الحملات المقذعة، وأقام المسافة الكبيرة بين نمط ادعاءاته والحقائق الصادمة لبقايا قدراته التي ينام على أمجادها.
ولذا، فإن تهديد الحزب بالرجوع إلى التلويح بسلوكيات شكلت أسوأ الأسوأ في سيرته، أي السلوكيات الإرهابية، يعدّ من أخطر السقطات المحدثة التي كشفته، علماً أنه طوال حقبات تورطه في الحروب الأخيرة كان يحاذر بشدة إعادة "استعراض" الصفحات الأشد وطأة على واقعه، بما يثير الكثير من الاشتباه في طبيعة القرارات التي تحرك الحزب في المرحلة الحالية التي انتهى إليها. فليس من باب التأكيد وإنما من باب التكهنات الأقرب إلى الواقع، أن الحزب كان استشعر عن بعد، بوسائله الاستخباراتية الشغالة دوماً عبر "الدولة العميقة" التي لا يزال يمتلك فيها مفاتيح معروفة ولا تحتاج إلى دوائر الـ"أف بي آي" لكشفها، أن هدية بوزن إعادة السماح لشركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات إلى بيروت ستنتظر زيارة الرئيس اللبناني للبيت الأبيض، علماً أن حجم العداء الذي يبديه الحزب حيال الرئيس الحالي تجاوز بأشواط تجارب الحزب مع كل الرؤساء السابقين الذين عاداهم. وأصلاً كان قرار استئناف الرحلات الجوية الأميركية إلى لبنان قد لمّح إليه وزير الخارجية الأميركي قبل أيام، ولم يشكل سراً مخفياً.
المهم أن الافتراض الأقرب إلى المنطق أن "ذعراً" ألمّ بالحزب لأن مجرد الإعلان عن هذا الإجراء كشف أن الحزب لم يعد يخيف أي جهة وازنة وعارفة وأي دولة، وهنا مقتل الحزب فعلاً!