المصدر: إرم نيوز
الأحد 23 آب 2026 13:00:34
يمثل القرار الأمريكي الصادر في 20 من الشهر الجاري بإعادة تصنيف ميليشيا "حزب الله" تحولاً جذرياً في الاستراتيجية السياسية والقانونية التي تنتهجها واشنطن تجاه الملف اللبناني.
ولم يكتف الإجراء الذي اتخذته وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان بإبقاء الحزب على قوائم الإرهاب كما هو الحال منذ تسعينيات القرن الماضي، بل أعاد صياغة موقعه القانوني عبر اعتباره امتداداً خاضعاً بالكامل لسيطرة وتوجيه فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
وأسقط التعديل القانوني الجديد الصفة المحلية عن الحزب وأخرجه من تصنيف "الحركات السياسية اللبنانية ذات الجناح المسلح" ليدخله مباشرة في خانة الأذرع التنفيذية العسكرية الصرفة التابعة للحرس الثوري الإيراني؛ ما يضع مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا سيما الأجهزة الأمنية والقضائية والرقابية، أمام استحقاق مباشر يطالبها بالتحرك العملي لتنفيذ هذه المقررات وملاحقة الأصول والأنشطة المالية المرتبطة بالحزب خارج النظام المصرفي التقليدي.
وتكشف مصادر لبنانية عن أن القنوات الدبلوماسية الأمريكية أبلغت المراجع الرسمية اللبنانية عبر رسائل مباشرة ومحددة بضرورة إبداء جدية مطلقة في التعامل مع هذا الملف.
وتضيف المصادر في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن الجانب الأمريكي شدد على أن التهاون أو التباطؤ في تعقب حركة المهربين والشركات الواجهة والشركاء المحليين للحزب لن يُفسر هذه المرة كعجز تقني، بل سيُصنف كقرار سياسي بالتواطؤ وتغطية الأنشطة غير المشروعة.
وتشير المصادر إلى أن الرسالة الأمريكية حملت تحذيراً مبطناً من خطورة تحول لبنان إلى بيئة مارقة مالياً؛ ما قد يدفع بمصارف المراسلة الدولية إلى قطع صلاتها المتبقية مع القطاع المصرفي اللبناني بشكل كامل، وهو السيناريو الذي يصفه المسؤولون اللبنانيون بكارثة الانهيار الشامل التي لا يمكن للاقتصاد القائم على السيولة النقدية حالياً تحمل تبعاتها.
وفي تفاصيل البنية التحتية الملاحقة، يركز قرار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي على تفكيك شبكة مالية دولية تمكنت خلال الفترات الماضية من نقل مئات الملايين من الدولارات نقدًا لتمويل العمليات اللوجستية والعسكرية لحزب الله بصفتها أنشطة منسقة مباشرة مع فيلق القدس.
ويرى المحلل السياسي الدكتور حسين أبو وردة، أن التحول الأبرز في القرار الأمريكي يتمثل في الدمج القانوني الكامل لملف "حزب الله" بملف العقوبات المفروضة على إيران.
ويعتبر، أن هذا الربط القانوني الجديد يسقط التمييز التقليدي الذي كان يحمي بعض مفاصل الدولة اللبنانية، إذ أصبحت واشنطن تتعامل مع الدعم المالي للحزب بوصفه موازنة عسكرية تابعة مباشرة لجهاز الحرس الثوري.
ويضيف، أن خطورة هذا القرار تكمن في توقيته وشكله، حيث تعمد واشنطن إلى زيادة الضغط على الاقتصاد النقدي غير المنظم في لبنان والذي انتعش بعد أزمة عام 2019؛ ما يجعل أي شركة صرافة أو مؤسسة تجارية محلية تتعامل بالسيولة النقدية الكبيرة عرضة للاشتباه بصلتها بشبكات التهريب التابعة لإيران، وبالتالي مواجهة عقوبات ثانوية مدمرة.
وفي الجانب السياسي، يرى المحلل أبو وردة، أن الإدارة الأمريكية تسعى بوضوح إلى الاستفادة من اللحظة السياسية الراهنة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية الشرعية وحثها على حصر السلاح والقرار المالي بيد المؤسسات الرسمية.
ويوضح أن إصرار واشنطن على إشراك الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية في التنفيذ يهدف إلى وضع السلطة السياسية في لبنان أمام مرآة مسؤولياتها الدولية، فإما أن تثبت قدرتها على ضبط حدودها ومعابرها ومطارها وتأكيد سيادتها عبر رفض التبعية الإيرانية الموصوفة في القرار، وإما أن تكرس الانطباع الدولي بأنها عاجزة أو خاضعة لإرادة الحرس الثوري الإيراني؛ ما سيزيد من عزلة لبنان الخارجية ويقوض أي فرص حقيقية لتمويل عمليات إعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي المستقبلي.
وكان رد فعل حزب الله جاء سريعاً على القرار الأمريكي وعكس حجم الاستياء والرفض لهذه التوجهات، حيث أصدر الحزب بياناً رسمياً أكد فيه أن قرارات وزارة الخزانة الأمريكية تعبر عن عقلية الوصاية التي تحاول واشنطن فرضها على لبنان ومؤسساته الرسمية.
واعتبر الحزب أن محاولات واشنطن لتأطيره ككيان تابع للخارج هي تزييف للواقع وتندرج ضمن مخطط أمريكي مستمر يستهدف ضرب بيئة المقاومة وإحداث اضطرابات وفتن داخلية لخدمة المصالح الإسرائيلية.
وتواجه الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام معضلة حقيقية في كيفية صياغة مخرج دبلوماسي وقانوني يقي البلاد شر العقوبات الدولية دون تفجير التوازنات السياسية والأمنية الداخلية الدقيقة.
وقد بدأت الحكومة بإجراء مشاورات مع مصرف لبنان ووزارة العدل لتفعيل دور هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بهدف إصدار تعاميم تلتزم بالمعايير الدولية وتفرض رقابة مشددة على شركات الصرافة المرخصة، لكن المعضلة الكبرى تبقى في ضبط الحدود والمعابر البرية والجوية التي تتحرك من خلالها شبكات التهريب النقدي الكثيف خارج القنوات المصرفية، وهو أمر يتطلب قراراً سياسياً جامعاً يبدو شبه مستحيل في ظل الانقسام الراهن في البلاد حول مسألة النفوذ الإيراني.
يشار إلى أن لبنان يدخل مرحلة الحصار المالي غير المباشر والأكثر خطورة في تاريخه الحديث، حيث إن تداخل مؤسسات الدولة الرسمية مع الاقتصاد الموازي غير الشرعي جعل الهامش المناور أمام المسؤولين اللبنانيين ضيقاً للغاية.
وفي حال اختيار السلطة اللبنانية تجاهل المطالب الأمريكية بالتنفيذ القضائي والأمني بحجة الحفاظ على السلم الأهلي، فإن العواقب لن تقتصر على الحزب وأفراده بل ستتمدد لتطال سمعة لبنان المالية وتصنيفه الائتماني؛ ما يهدد بقطع شريان الحياة الأخير المتمثل في المغتربين والتحويلات المالية الخارجية التي تعتمد عليها آلاف العائلات اللبنانية للبقاء على قيد الحياة وسط أسوأ أزمة اقتصادية واجتماعية تشهدها المنطقة.