المصدر: Kataeb.org
الثلاثاء 17 آذار 2026 15:01:38
كتب المحرر السياسي:
منذ يومين، يبدو أن ميليشيا حزب الله المحظورة اختارت الهروب إلى الأمام، فبدل مواجهة الغضب الشعبي الذي رافق إطلاق "حرب إسناد إيران" وما جرّته من دمار وتشريد، لجأ إلى اختلاق عدو وهمي في الداخل. لم يعد الخارج كافياً لتعبئة جمهوره، ولم تعد الشعارات القديمة عن "تحرير الأرض والقدس" والردع وغيرها بعدما سقطت سقوطًا مدويًا، تقنع حتى بيئته التي بدأت، ولو بصمت، تدرك حجم الكذب الذي رافق هذه السردية طوال السنوات الماضية.
في حسابات الميليشيا، لم تعد الخطابات التعبوية تنفع كما في السابق، بل بات خلق خصم داخلي أكثر جدوى. خصم يمكن تحميله المسؤولية، وتوجيه الغضب نحوه، وتوظيفه لشد العصب الطائفي والمذهبي. هكذا، فجأة، يتحول الإعلام اللبناني إلى هدف، وتُشن حملات على محطة تلفزيونية فقط لأنها نشرت خريطة متاحة على أي محرك بحث، وكأن إسرائيل، بكل ما تملكه من قدرات استخباراتية، تنتظر تقريرًا محليًا لتحدد أهدافها.
تعرف الميلشيا أنها تكذب. والقاعدة تعرف أنها تكذب أيضًا، أو "تكبّر الكذبة" معها، لأن البديل أصعب: مواجهة الحقيقة. الحقيقة التي تقول إن ما جرى لم يكن معركة تحرير الأرض بل توريطاً، ولم يكن "حماية" بل تدميرًا. الحقيقة التي تشير إلى أن القرار لم يكن لبنانيًا، وأن الحزب بات عمليًا جزءًا عضويًا من منظومة الحرس الثوري الإيراني، تُدار خياراته السياسية والعسكرية والتنظيمية من قيادة الحرس في لبنان ومن خارج الحدود، فيما تتكرّس هذه المعادلة أكثر في ظل أمانة نعيم قاسم.
لكن المشكلة بالنسبة إلى الميليشيا لا تكمن فقط في الخارج، بل في الداخل الذي بدأ يصرخ من بيئة أنهكها النزوح، ودفعتها الحرب إلى البرد والجوع والخوف، ووجدت نفسها فجأة بلا حماية حقيقية، ولا قدرة لها على تأمين أبسط مقومات الحياة. هذه البيئة نفسها يُراد اليوم إقناعها بأن المشكلة في "تقرير تلفزيوني" أو "خريطة منشورة"، لا في قرار جرّها إلى حرب لم تكن مستعدة لها، ولا في حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالحها.
قد ينجح هذا الأسلوب مرحليًا في تشتيت الانتباه، وفي خلق حالة من الشد العصبي الطائفي، لكنه لن يمحو الوقائع. فالناس التي شُرّدت في ليلة واحدة، وخرجت من منازلها لا تعرف إلى أين تذهب، ستتذكر. ستتذكر عندما تحاول العودة فتجد بيوتها مدمّرة، وأحياءها مهدّمة، ودولتها عاجزة، وحزبها منشغلا بتبرير ما لا يُبرَّر.
وعندها، ستسقط سردية "الإعلام العدو" تلقائيًا. لأن من استطاع ملاحقة قادة ايران الكبار من المرشد "ونزول" واستهدافهم بدقة، ومن امتلك معلومات تفصيلية عن التحركات والاتصالات والأفراد وصلت الى حد تخييرهم بين الموت منفردين أو برفقة عائلاتهم، ليس بحاجة إلى تقرير تلفزيوني ليرسم أهدافه. ومن وصل إلى غرف النوم والفنادق، واحداً تلو الآخر، لا ينتظر نشرة أخبار محلية. هذه حقائق تعرفها الميليشيا قبل غيرها، وتعرف أن تحميل الإعلام المسؤولية ليس سوى محاولة مكشوفة للتغطية على فشل أكبر.
ما يجري اليوم من قبل مسؤولي هذه الميليشيا المحظورة في لبنان ليس مجرد حملة إعلامية عابرة، بل محاولة منظمة لقتل الوعي الجماعي داخل بيئتها، والاستمرار في تسخيفها والتقليل من شأن معاناتها. وهذا بحد ذاته يكشف حجم المأزق: فالحزب الذي كان يخوض معاركه في الخارج، يجد نفسه اليوم في معركة مختلفة تمامًاً. إنها معركته مع وعي بيئته.