حزب الله يتفهّم عون ولكن.. "ما هو التعقُّل المطلوب مِنّا"؟

ينظر حزب الله إلى المرحلة الراهنة باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات دقة منذ وقف إطلاق النار، ليس فقط بفعل إستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، بل نتيجة المسار السياسي الذي إعتمدته الدولة اللبنانية في إدارة هذه المرحلة، وما يراه الحزب إختلالاً واضحاً في ميزان القوة وسوء تقدير لنتائج الخيارات المتّبعة. ومن هذا المنطلق، يقرأ الحزب مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأخيرة ضمن سياق سياسي متكامل، لا كتحوّل مفاجئ أو موقف صادم، بل كامتداد لخيارات باتت واضحة، وتطرح، في نظره، أسئلة أساسية حول التوقيت والأدوات والرهانات.

مصادر مطّلعة على أجواء التواصل بين الطرفين أوضحت لـ"المدن" أنه بالنسبة إلى الحزب، فالرئيس عون عبّر عن قناعات معروفة لديه، ولا سيما في ما يتصل بملف السلاح ودور الدولة وخيار العمل السياسي والدبلوماسي. غير أن جوهر التباين، كما ترى هذه المصادر، لا يكمن في العناوين العامة، بل في كيفية إدارة المرحلة، وسقف الخطوات، وحساب النتائج في ظل واقع إقليمي ودولي غير متوازنين.

من الانسجام إلى التباين: ورقة براك كنقطة تحوّل

تعود الأوساط القريبة من حزب الله إلى مرحلة ما قبل وقف إطلاق النار، وتقول: وقتها، ساد إنسجام داخلي واضح في المقاربة، إذ التقى موقف رئيس الجمهورية الداعي إلى إلتزام إسرائيل بوقف الاعتداءات والانسحاب من الجنوب وإطلاق الاسرى، مع موقف حزب الله الذي التزم عملياً بوقف النار، رغم إستمرار الاستهدافات وتدمير المنازل ومنع الأهالي من العودة. "إلا أن هذا الانسجام بدأ يشهد تبايناً في المقاربات والخيارات مع دخول ورقة براك على خط المشهد السياسي اللبناني."
يرى الحزب أن الورقة شكّلت محاولة لإعادة رسم المسار السياسي بشروط إسرائيلية، في ظل غياب الدور الأميركي الضامن، بل تحوّل إلى أداة ضغط. ومنذ تلك اللحظة، بدأت "الفجوة في المقاربة" بين حزب الله ورئاسة الجمهورية وبعض القوى السياسية. إذ يعتبر الحزب أن الورقة ستفتح باباً من الضغوط على لبنان لجره إلى إتفاق جديد في حين أن هناك إتفاقا وقع في  27  تشرين الثاني العام 2024 ، والمطلوب أن تلتزم به إسرائيل، وليس أن نكون أمام خطوات أحادية لم تقابلها أي التزامات إسرائيلية، ما شجّع تل أبيب على التمادي في إعتداءاتها.

خطيئة سياسية

في هذا السياق، تتابع المصادر وتشير إلى خطوتين تعتبران مفصليتين: قرار الحكومة في الخامس من آب الماضي المتعلق بحصرية السلاح، ثم إقرار ورقة براك في السابع من الشهر نفسه، من دون أي إلتزام إسرائيلي أو سوري بمندرجاتها. ورغم أن حصر المهلة جنوب نهر الليطاني خفّف الاحتقان مرحلياً، إلا أن ما تلاه من خطوات لم يترجم أي نتائج ميدانية، بل عزّز الانطباع بأن لبنان يتحرّك من موقع أحادي الجانب ومن دون أوراق ضغط.

البيئة الشيعية: الحماية والإحتضان
في موازاة المسار الرسمي، لم تتلقَّ البيئة الشيعية كلام رئيس الجمهورية بإيجابية، لا من باب الرفض أو العناد، بل لأنها كانت تنتظر خطاباً يقدّر حجم التضحيات والصبر وتحمل العدوان المستمر، وعجز الدولة عن توفير الحماية، أو وضع خطة واضحة لتحرير الارض، وعودة الاسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم. 
ومن هنا، برز داخل الحزب سؤال أساسي: عندما يطرح الرئيس عون مفهوم «تعقّل الطرف الآخر»، من هو هذا الطرف؟ هل يُطلب المزيد من التعقّل من جهة التزمت وقف النار، وتُستهدف عناصرها، وتُدمّر قراها، ويُمنع أهلها من العودة، من دون أي رد؟
تصر المصادر وتضيف، أين لم يتعقل حزب الله وكيف؟ عندما سلم سلاحه جنوب الليطاني؟ عندما وقف خلف خيار الدولة وتبنى وأكد على لسان أمينه العام أن الدولة هي صاحبة القرار، وأن الحزب وضع نفسه بتصرفها من موقع الدفاع عن لبنان، وأن يكون الجيش صاحب القرار بالمبادرة، وهو إلى جانب الجيش، خاصة عندما أخذ بتوجه رئيس الجمهورية لقيادة الجيش التصدي لاي تقدم إسرائيلي. هل يطلب من حزب الله التعقل عندما وافق على أن قرار السلم والحرب أصبح بيد الدولة والحكومة، وهو منذ إتفاق وقف الاعمال العدائية، يتلقى الضربات والمزيد من الدمار والقتل، وهو آل على نفسه عدم الرد على الاعتداءات،  متبنيا الخيار السياسي والدبلوماسي للتحرير.

 

قوة تفاوض لا تنازلات

تقول المصادر لـ"المدن" إن حزب الله يفهم خلفيات مقاربة رئيس الجمهورية، لكنه يؤكد إمتلاكه رؤية مختلفة للوصول إلى النتيجة نفسها. فالمسار، من وجهة نظره، لا يكون عبر تقديم تنازلات مجانية، بل عبر عمل سياسي ودبلوماسي فاعل، قائم على إمتلاك أوراق قوة حقيقية، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة من موقع دفاعي.
وتلفت المصادر إلى أن لبنان قدّم سلسلة خطوات من دون أن يحصل على أي مقابل، ما يطرح، في نظر الحزب، إشكالية أساسية تتعلق بكيفية إستخدام عناصر القوة المتاحة لحماية الحقوق الوطنية ومنع فرض الشروط من الخارج.

رغم عمق هذا التباين، يؤكد الحزب تمسّكه بالبقاء في الحكومة، مع إدراكه أن التجربة أثبتت محدودية الخيارات الاخرى في لحظات الاختلال الكبرى. ويعتبر أن ما يجري خطير، ليس فقط بسبب التفلت الإسرائيلي الأميركي، بل بسبب ضعف الموقف اللبناني في مواجهة الضغوط. 
لكن في الثوابت، فإن موقف الحزب واضح: السلاح شمال نهر الليطاني مرتبط بوقف الاعتداءات والانسحاب الكامل، وما بعد ذلك يُبحث ضمن إستراتيجية الأمن الوطني وعلى طاولة الحوار. وهو موقف لا يتأثر بأي رمال متحركة أو توجهات جديدة، بغضّ النظر عن تطورات الإقليم، في ظل قناعة بأن أي حرب في الاقليم لن تكون قصيرة أو بلا كلفة على إسرائيل.

بين الاستسلام والمواجهة السياسية
أكثر من ذلك، يرى حزب الله أن ما يحصل يضع البلاد أمام خيارين: إما القبول بشروط الخارج وما يحمل ذلك من مخاطر وجودية، أو المواجهة السياسية بعناصر القوة المتاحة داخلياً، وفي مقدّمها الموقف الوطني الجامع رسمياً وشعبياً وسياسياً. ويشدّد على أنه لا يمارس سياسة إنتحارية، بل تعقّلاً محسوباً لا يتحوّل إلى تنازل.
ومع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع رئيس الجمهورية، يفضّل الحزب إدارة التباين بعيداً من السجالات العلنية، فيما يبقى السؤال الذي يتردّد بقوة داخل بيئته: بعد كل ما قُدّم، ماذا حصد لبنان؟ وحتى الآن، الجواب واحد: لا شيء.

الجيش اللبناني: دعم المهمة ضمن إستراتيجية وطنية

يولي حزب الله إهتماماً مباشراً بعمل الجيش اللبناني ويعتبره الركيزة الأساسية لتنفيذ أي خطة وطنية ناجحة على الأرض. فالحزب لا يربط قدراته العسكرية بإضعاف الدولة، بل يراقب الأداء ويحرص على أن لا تُستغل أي تنازلات في إعادة رسم ميزان القوة لصالح الخارج. ويؤكد أن سلاحه مرتبط مباشرة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وبالانسحاب الكامل، وضمان عدم عودة هذه الاعتداءات والانسحاب الكامل وعودة الاسرى. وأن أي استخدام له يتم ضمن إستراتيجيات وطنية محسوبة ومستمرة لضمان الردع، ودون الانزلاق نحو أي مواجهة.

في هذا الإطار، يواصل الجيش تقييم المرحلة الراهنة بهدف إستكمال تنفيذ خطته، مع إدراك واضح بأن إستمرار الاعتداءات الإسرائيلية يعرقل عمل الوحدات وإنتشارها. ويستعد الجيش لرفع تقييمه إلى مجلس الوزراء في شباط المقبل، متضمّناً عرضاً مفصّلاً للتحديات والحاجات العملانية، وعرض لائحة متكاملة بالعتاد والوسائل التي يحتاجها لتنفيذ مهمته بنجاح، بما فيها متطلبات خطة حصر السلاح. ويؤكد الحزب أن دعم عمل الجيش وتوفير عناصر القوة له لا يتعارض مع ثوابته الوطنية، بل يعزز من موقف لبنان ويشكل جزءاً من إستراتيجيته في إدارة المرحلة، مع الحفاظ على عناصر القوة وممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي في آن واحد.