"حزب الله" يستعيد أدوات الماضي الفاشلة

في السياسة كما في الحياة، لا يُشترط أن يلسعك العقرب مرتين. يكفي أن تحترق أصابعك مرة واحدة لتفهم أن النار ليست لعبة. لكن يبدو أن "حزب الله""لم يتعلم من تجارب الماضي. الحزب العتيق في أذهانه، الجديد في أزماته، لا يزال يحفر في جدران الماضي باحثا عن مفاتيح المستقبل. يمشي إلى الأمام  ولكن بعينين تنظران إلى الوراء. كأن تجربة 2006 كانت نزهة، وكأن نكسة 7 أيار 2008 كانت نصراً مبيناً، وكأن التاريخ يعيد نفسه كل مرة بالممثلين أنفسهم، والسيناريو نفسه والجمهور عينه، وبالغفلة نفسها..

في الحرب الأخيرة، ظهر الحزب مجرداً إلا من صوته العالي. الإسناد كان مرتبكاً، والعقلية التي تدير الأمور لا تختلف كثيرا عن تلك التي أدارت حرب  تموز رغم  اختلاف النتائج والأداء، ولكن من دون كاريزما النصر هذه المرة.

تعامل الحزب مع إسرائيل 2024 كأنها لا تزال تُقاد بالبزات العسكرية الثقيلة والوجوه المتحجرة من زمن آرييل شارون أو ايهود أولمرت. لم يدرك أن العدو تغيّر، وأنه ليس وحده من يطوّر طائرات مسيّرة، بل إن إسرائيل دخلت مرحلة لا تُقاس فيها المعارك بعدد الصواريخ بل بحجم الاختراق، وعدد العيون داخل الجسم الواحد.

داخليًا، لا يزال الحزب يتحدث بلغته المعهودة وكل من يخالف الرأي هو خائن أو عميل. يخوّن خصومه لأنهم ليسوا على مرائه، ويهاجم الصحافة لأنها تقول ما لا يحب أن يسمعه. هو ما رأيناه حين عادوا إلى أسلوبهم القديم، وأوحوا أن آل بركات تبرأوا من الصحافي محمد بركات، لأنه تجرأ على العميد المتقاعد منير شحادة، فكان جزاؤه أن يُقصى، ويُكفَّر، وتُفتح عليه أبواب الجحيم الدعائية.

ورفضاً لقرارات الحكومة التي يشكل الحزب جزءاً منها، استعاد مشهدًا رديئًا من أرشيفه المشؤوم حين أطاح الحياة النقابية، وكأننا في نسخة مهترئة من مسرحية غسان غصن حين صار "النقابي الوديع" بوقاً لأمر عمليات صادر عن الضاحية وعين التينة. وقتها نزلوا إلى الشارع باسم الإضراب، ودخلوا بيروت تحت راية "الحفاظ على شبكة الاتصال"، تلك الشبكة التي أثبتت الحرب الأخيرة أنها لا  تستحق أن تخاض لأجلها المعارك. ومرة أخرى، كان الحزب على وشك أن يعيد الكرة. أطل شبح التظاهرة في وسط بيروت، ثم تبخر فجأة. ربما خافوا استحضار صورة سوداء لا تزال عالقة في الذاكرة، أو ربما أدركوا متأخرين أن استعراض القوة لم يعد يُرهب كما في الماضي، وأن مسيرات الدرجات النارية ومن عليها من "الشيعة، الشيعة" بات لديها مردود سلبي على طائفة بأمها وعينها.

الحزب لا يزال يعيش حالة إنكار كاملة. كأنه لا يرى أن الأرض تهتز من تحته. يرسل الأبواق نفسها، يرفع الشعارات نفسها، يتسلح بالشعور عينه، بالمظلومية والبطولة في آن واحد. كأن عقارب ساعته توقفت عند لحظة كان فيها "المقاوم الأول"، ولم يلاحظ أن الزمن تجاوز تلك اللحظة، وتجاوز صوته، وتجاوز حتى مناصريه الذين تبدل أمام أعينهم المشهد بعد انقلب المقاوم إلى "مقاول" بين سبائك السلطة.  الثبات على الأفكار الميتة ليس فضيلة، بل انتحار على طريقة بائسة. والحزب، يا للأسف، يبدو سعيدا بموقعه في التاريخ. لا يريد أن يخرج منه، ولا يريد لأحد أن يفتح نافذة عليه. هكذا تبقى أدواته تدور في حلقة مفرغة، لا تُنتج نصرا، ولا تزرع أملاً، بل تكرّر الفشل... بكل إصرار.