حصر التعبير بـ"الخماسية الصارمة".. هل يعيش الحزب إرهاصات انقسام داخلي؟

تواجه القيادة المركزية لحزب الله تحدياً استثنائياً يتعلق بالحفاظ على الصورة النمطية للحزب كبنية تنظيمية صلبة خالية من التصدعات، في وقت ترخي فيه التحولات السياسية والميدانية المتسارعة بظلالها على هذا التماسك المؤسساتي. 

وتبرز في هذا السياق مؤشرات متزايدة على "أزمة الخطاب" وتباينات خفية في تقدير الموقف بين أجنحة الحزب المتعددة.

ويتردد صدى التباين الداخلي خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة، مما يضع الحزب أمام تحدي ضبط الولاءات المتعددة وتوحيد الرؤية الإستراتيجية في مواجهة الضغوط الخارجية المستمرة.

وجعل ذلك السيطرة على المنصات التعبيرية وحصر مصادر القرار مسألة وجودية لضمان البقاء التنظيمي للحزب.

وفي هذا الإطار، جاء التوجيه الصادر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله قبل أيام ليعيد رسم الحدود الصارمة للخطاب، محصناً القنوات الرسمية في خمس جهات رئيسية هي: خطابات الأمين العام، والبيانات الرسمية، والمقاومة الإسلامية، والعلاقات الإعلامية، وكتلة الوفاء للمقاومة مجتمعة.

واللافت في هذا المسار هو إسقاط الصفة الرسمية عن التصريحات الفردية لنواب الحزب ومسؤوليه، مما فتح الباب واسعاً أمام قراءة طبيعة الخلافات غير المعلنة، وما إذا كان الحزب يعيش إرهاصات إعادة هيكلة شاملة فرضتها التوازنات الحساسة.

 فوضى المنابر وانفلات "المتطوعين"
وتؤكد مصادر سياسية لبنانية واسعة الاطلاع، أن هذه الإجراءات لم تولد من فراغ، بل جاءت تتويجاً لتقارير داخلية رفعتها الأجهزة الأمنية والإعلامية للحزب حول ما وُصف بـ أزمة "الانفلات الإعلامي غير المنضبط".

وتشير المصادر، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى أنه طوال الفترات الماضية، تحولت المنصات الرقمية وبعض البرامج الحوارية الشعبية البديلة إلى منابر يجتهد فيها إعلاميون ومحللون وسياسيون محسوبون تاريخياً على الحزب، حيث دأبوا على إطلاق مواقف وتقديرات أمنية وعسكرية حساسة.

وتوضح المصادر أن بعض هذه الشخصيات استغلت قربها السابق من الحزب لبناء "شبكات نفوذ خاصة" وتحقيق مكاسب وتفاعلات رقمية عبر منصات ممولة محلياً وإقليمياً.

الأخطر من ذلك – بحسب المصادر – هو أن هذه التحليلات الفردية بدأت تُترجم في كواليس عواصم القرار الدولي والإقليمي على أنها "رسائل مبطنة" أو مواقف رسمية من قيادة الحزب.

إقصاء النواب
 وتضيف المصادر أن الخطوة الأكثر إثارة للجدل في التوجيهات الجديدة تمثلت في إسقاط الصفة الرسمية عن التصريحات السياسية الفردية لنواب الحزب في البرلمان.

 ووفقاً لـتسريبات من أوساط نقاشات داخلية مغلقة، فإن هذا التوجيه يعني أن مواقف النواب والمسؤولين في خطاباتهم الشعبية أو الندوات المغلقة لم تعد تُلزم الحزب بأي تبعات سياسية.

ويرى المحلل السياسي ياسين الدويش، أن الحزب يعيش داخلياً تبايناً في تقدير الموقف بين "تيار واقعي" يمثله بعض النواب الذين يحتكون يومياً بالشارع اللبناني المنهك اقتصادياً واجتماعياً، وبين "تيار عقائدي ميداني" يركز بشكل مطلق على الحسابات الإستراتيجية الكبرى.

إعادة هيكلة لـ"مرحلة البقاء والأمن"
ويؤكد الدويش في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذا التطور يتجاوز مجرد تنظيم العمل الإعلامي إلى محاولة إعادة ضبط التموضع الاستراتيجي للحزب وإدارة الخلافات تحت سقف واحد. 

ويشير، إلى أن الحزب يمر بواحدة من أعقد المراحل التنظيمية في تاريخه، لافتا إلى أن القرار هو انعكاس مباشر للضغوط الميدانية والسياسية المتزايدة التي ولدت تبايناً في الرؤى بين الأجنحة السياسية والعسكرية.

ويضيف أنه عندما تصبح الهوامش ضيقة، يضطر الحزب إلى تقليص دائرة الضوء ومركزية القرار السيادي والإعلامي في يد النواة الصلبة فقط.

من جهة أخرى، يرى مراقبون للشأن اللبناني أن الحزب يسعى جاهداً لنفي وجود "أزمة انقسام"، ويروج للخطوة بصفتها عملاً تنظيمياً روتينياً لحماية بيئته الحاضنة من مروجي المعلومات الزائفة الباحثين عن العوائد الرقمية.

في المقابل، فإن اضطرار الأجهزة الإعلامية المركزية لإصدار بيان بهذه الصرامة يعكس أن حجم "الضجيج الداخلي" وتضارب التقديرات قد وصلا إلى مرحلة لم يعد من الممكن السكوت عنها أو معالجتها بالغرف المغلقة، مما كشف بشكل غير مباشر عن عمق التباينات.

هندسة المشهد القادم
 وفي ضوء الحقائق السابقة، فإن الواقع التنظيمي الحالي يكشف أن حزب الله قرر رسمياً الاستمرار في مرحلة "التقنين الإعلامي الصارم".

ومن خلال الفصل بين "التأييد العاطفي والتحليل" وبين "الموقف الرسمي المُلزم"، يحاول الحزب إقامة جدار عازل يحميه من تبعات زلات اللسان والاجتهادات السياسية لمسؤوليه ونوابه التي قد تكشف عن تباين التوجهات.

 وتمثل هذه الإجراءات خريطة طريق فرضت "صوتاً واحداً محدداً"، بانتظار ما ستسفر عنه التوازنات السياسية والميدانية الكبرى في مشهد لبناني يغلي على صفيح ساخن.