حين فشل السلاح، أنقذت الدبلوماسية ما أمكن إنقاذه...

في لبنان، وبعد أربعة عقود من ما سُمّي بـ"المقاومة العسكرية" التي رُفعت شعاراتها على حساب الدولة ومؤسساتها وسيادتها، آن الأوان لمراجعة صادقة، شجاعة، وخالية من الإنكار.
أربعون عاماً ليست تفصيلاً عابراً في تاريخ الشعوب، بل مهلة كافية لإصدار حكم واقعي وحاسم:

ماذا جلب هذا الخيار للبنانيين؟
هل حرّر الأرض فعلاً، أم كرّس منطق الساحات المفتوحة؟
هل حمى الشعب، أم حوّله إلى وقودٍ ودروعٍ بشرية في صراعات تتجاوز لبنان وتستنزفه؟

الوقائع، وحدها، تكفي.
فالجنوب دُمّر مراراً، وبيروت استُبيحت، والاقتصاد انهار، والاستقرار تبدّد، والدولة تراجعت لمصلحة دويلة السلاح.
وكل جولة عسكرية سُوّقت بوصفها "نصراً"، لم تترك خلفها إلا مزيداً من الخراب، ومزيداً من العزلة، ومزيداً من الارتهان، ومزيداً من الأكلاف التي دُفعت من أعصاب اللبنانيين وأرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
أما النتيجة الأخطر، فلم تكن فقط في حجم الدمار، بل في نزع القرار السيادي من يد الدولة، وتحويل لبنان من وطنٍ له مصالحه العليا إلى ساحة رسائل، ومن كيان سياسي إلى ورقة تفاوض بيد الآخرين.

في المقابل، وعندما تحرّكت الدولة ضمن منطقها الطبيعي، أي ضمن منطق الدبلوماسية، ظهرت صورة مختلفة تماماً.
الدبلوماسية لم تكن يوماً ضعفاً، بل كانت أداة الدولة العاقلة حين تعرف كيف تحمي شعبها بأقل الأكلاف، وكيف تمنع الكارثة قبل وقوعها.
وعبر هذا المسار، أمكن تجنيب لبنان ضربات كان يمكن أن تكون مدمّرة على مستوى البنية التحتية والمؤسسات والاستقرار العام: حماية معبر المصنع من الاستهداف، تحييد مطار بيروت، احتواء التصعيد في العاصمة، وفتح قنوات دولية حالت دون الانزلاق إلى مواجهة أشمل وأكثر فتكاً.
وهذه ليست تفاصيل ثانوية، بل إنجازات فعلية تُقاس لا بما جرى تدميره، بل بما جرى منعه من التدمير.

هنا يكمن الفارق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا.
الدبلوماسية تنطلق من مفهوم الدولة: دولة تفاوض باسم شعبها، لا بإسم مشروع خارجي؛ دولة تعرف كيف توازن بين السيادة والمصلحة، بين الكرامة الوطنية وحماية الناس، بين القانون الدولي والقرار الوطني.
أما "الميدان" الخارج عن الدولة، فقد أثبت، مرة بعد مرة، أنه لا ينتج إلا حروباً مفتوحة، وخسائر بلا سقف، وأزمات بلا حلول، وشعباً يدفع الثمن فيما غيره يحصد الاستثمار السياسي.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات الخشبية، ولا إلى شعارات فقدت معناها تحت أنقاض البيوت والمؤسسات.
لبنان يحتاج إلى استعادة القرار الوطني، لا إلى مصادرته.
يحتاج إلى دولة، لا إلى سلطات موازية.
يحتاج إلى سياسة، لا إلى جبهات.
يحتاج إلى من يحميه من حروب الآخرين، لا إلى من يزجّه فيها ثم يطالبه بالصبر على الخراب.

لقد آن الأوان أن تُقال الحقيقة بلا مواربة:
السلاح الخارج عن الدولة لم يحمِ لبنان، بل عرّضه.
ولم يصُن سيادته، بل شوّهها.
ولم يبنِ توازناً، بل أسقط الدولة في اختلال دائم بين شرعيةٍ دستورية وسلطةٍ مفروضة بقوة الأمر الواقع.
أما "المقاومة" التي لا تخضع لسلطة الدولة، ولا لقرارها، ولا لمحاسبتها، فإنها تتحول حكماً من فكرة دفاعية إلى عبء وطني وسياسي وسيادي على الدولة نفسها.

أما الدبلوماسية، فهي ليست ترفاً ولا هروباً، بل الطريق الوحيد الذي أثبت، بالوقائع لا بالشعارات، قدرته على تقليل الخسائر، حماية المؤسسات، منع الانهيار الشامل، والإبقاء على نافذة أمل مفتوحة أمام لبنان.
ومن هنا، فإن حماية البلد لا تكون بتوسيع الميدان، بل بتحصين الدولة.
ولا تكون بتقديس السلاح، بل بإعادة الاعتبار للشرعية.
ولا تكون بإبقاء لبنان ساحةً مستباحة، بل بإعادته وطناً سيداً، حراً، مستقلاً، تصوغ الدولة فيه وحدها قرار الحرب والسلم.

فلنترك الدولة تقوم بدورها.
فلنترك الدبلوماسية تعمل.
لأن ما عجز عنه أربعون عاماً من السلاح، لن يعالجه المزيد منه.
ولأن لبنان لا يُبنى بالميادين المفتوحة، بل بالدولة، والدولة وحدها.