المصدر: Kataeb.org
الكاتب: جولي مجدلاني
الأحد 9 آب 2026 11:50:54
تتكرر سردية حزب الله القائمة على أن الدولة اللبنانية تخلّت عن مسؤولياتها، وأن المفاوض اللبناني يذهب إلى التفاوض مع إسرائيل من موقع الضعف لا بل إن المفاوضات نفسها "ذل" وتنازل عن الحقوق. لكن تصطدم هذه السردية بحقيقة سياسية بسيطة لا يمكن إغفالها، فلو كان المفاوض اللبناني يقدّم التنازلات التي يتهمه بها الحزب، لكان توصل الى اتفاق منذ فترة أو من الجولة الاولى من المفاوضات.
وعليه، فإن عدم الوصول إلى نتائج كبيرة حتى اليوم لا يعني أن لبنان قدّم تنازلات بل على العكس تمامًا فهو لا يزال متمسكًا بالثوابت والحقوق التي يفترض أن يدافع عنها، وبالتالي فإن التفاوض ليس استسلامًا بل وسيلة سياسية لاستعادة الأرض وإنهاء الاحتلال وتأمين عودة الجنوبيين إلى بلداتهم وقراهم.
لم يعد تخوين رئيس الجمهورية والمفاوض اللبناني مجرد خلاف سياسي بل محاولة لضرب شرعية الدولة وحقها الحصري في إدارة قرار الحرب والسلم والتفاوض. في حين أن الديبلوماسية هي الأداة التي تمتلكها الدول لتحويل الحق إلى اتفاق ملزم، وتحويل المطالبة بالانسحاب من الأراضي المحتلة إلى نتيجة سياسية قابلة للتنفيذ.
الأخطر في الخطاب الحالي ليس مجرد انتقاد أداء الدولة، بل الانتقال إلى التخوين وتصوير أي محاولة للتفاوض أو التواصل الدبلوماسي وكأنها خيانة للسيادة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فرئيس الجمهورية لا يتفاوض على "حق" لا يملكه فهو وفق منطق الدولة، التي لا يعترف بها حزب الله، يمارس دوره في حماية المصالح الوطنية واستخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية المتاحة أمام لبنان. أما المفاوض اللبناني، فمهمته ليست تقديم التنازلات، وإنما البحث عن مخرج يحفظ حقوق لبنان ويؤمّن الانسحاب الإسرائيلي ويعيد الجنوبيين إلى أرضهم.
ومن هنا، فإن تحويل المفاوض اللبناني إلى مته، ورئيس الجمهورية إلى طرف مشكوك في وطنيته، لا يخدم قضية الجنوب بقدر ما يخدم تعطيل أي مسار يمكن أن يقود إلى حل وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
وإذا كانت الحرب لم تؤدِّ إلى استعادة الأرض وإذا كان استمرار المواجهة يحمّل لبنان واللبنانيين أثمانًا بشرية واقتصادية وأمنية، فإن رفض حزب الله للدبلوماسية لم يعد موقفًا وطنيًا إنما يحتاج إلى إجابة واضحة عن البديل، وعن الكلفة التي سيدفعها لبنان مقابل استمرار هذا المسار.
المسألة تتجاوز الخلاف حول أسلوب إدارة الملف. فخطاب تخوين رئيس الجمهورية والمفاوض اللبناني يترافق مع محاولة أوسع لتصوير مؤسسات الدولة وكأنها عاجزة أو متواطئة أو غير مؤتمنة على حماية لبنان.
عندما تحاول الدولة استعادة قرار الحرب والسلم فهي بذلك تمارس أبسط حقوقها السيادية. قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى موضوعًا خاضعًا لإرادة حزب سياسي أو عسكري، لأن نتائج الحرب لا يدفع ثمنها الحزب وحده، بل يدفعها البلد بأكمله.
إن استعادة قرار الحرب والسلم ليست معركة ضد فئة من اللبنانيين، بل هي معركة من أجل الدولة نفسها. ومن دون دولة تمتلك قرارها، سيبقى لبنان يدفع ثمن حروب لا يقرر فيها.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المطلوب دولة تقوم بواجباتها، أم دولة موجودة شكليًا بينما يبقى القرار الاستراتيجي خارجها؟