المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الخميس 16 نيسان 2026 08:22:34
لا ينبغي قراءة الخطاب الأخير لـ "حزب الله" على أنه مجموعة مواقف سياسية معزولة، بل كسلسلة مترابطة تكشف منطقًا تصاعديًا ذا طابع إكراهي داخل الساحة اللبنانية. فمن خلال تصريحات شخصيات مثل حسن فضل الله ونعيم قاسم، يتبيّن أن هذا الخطاب يتطوّر عبر طبقات متتالية، يضيف كل منها وظيفة محددة، لتشكّل في مجموعها بنية ضغط متكاملة.
الطبقة الأولى، تتمثل في بناء ادعاء "أغلبية شعبية". فالتأكيد المتكرر على أن "أغلبية الشعب اللبناني" ترفض أي انحياز لإسرائيل لا يستند إلى معطيات تجريبية بقدر ما يؤدي وظيفة إنشائية. الهدف هنا ليس الوصف بل إنتاج واقع سياسي يُفترض فيه وجود إجماع مسبق. بهذا المعنى، يُعاد تأطير النقاش منذ البداية، بحيث يُصوَّر أي موقف مخالف على أنه خروج عن إرادة الشعب. وهذه خطوة تأسيسية، إذ تحوّل الخلاف السياسي إلى مسألة شرعية.
أما الطبقة الثانية، فتتمثل في إعادة تعريف مصدر الشرعية. فالإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى استفتاء شعبي حول "القضايا المصيرية" توحي بأن المؤسسات القائمة قد لا تعكس "الإرادة الحقيقية" للناس. وفي السياق اللبناني، حيث لا يشكّل الاستفتاء جزءًا من الآليات الدستورية، لا يمكن اعتبار هذا الطرح مجرد اقتراح ديمقراطي محايد. بل هو أداة خطابية تعيد نسب الشرعية خارج الإطار المؤسسي، وتفتح المجال أمام تبرير تجاوز هذه المؤسسات. هنا، لا يكتفي الخطاب بادعاء الشرعية، بل يبدأ بإعادة توزيعها.
الطبقة الثالثة ، تنقل الخطاب من مستوى الشرعية إلى مستوى المسؤولية. فعندما يُحمَّل من يرفض إدراج لبنان ضمن صيغ معينة لوقف إطلاق النار مسؤولية الدم المسفوك، يتم إدخال عنصر اللوم الاستباقي. وهذه خطوة نوعية، إذ لم يعد الخلاف سياسيًا فحسب، بل يصبح محمّلًا بكلفة أخلاقية. بذلك، يرتفع ثمن المعارضة، إذ يُعاد تصويرها على أنها مساهمة محتملة في استمرار العنف.
الطبقة الرابعة، تعمل على تثبيت هذا البناء من خلال نزع الشرعية عن الخصوم. فاتهام بعض الأطراف بمخالفة الميثاق الوطني أو بنشر "روايات غير دقيقة" لا يهدف فقط إلى الرد، بل إلى إقصاء هذه المواقف من الحيّز السياسي والإعلامي. وبهذا، لا تتم مجادلة الآراء المخالفة، بل يتم نفي مشروعيتها من الأساس، ما يؤدي إلى تضييق المجال المتاح للنقاش العام.
عند جمع هذه الطبقات، لا نكون أمام تصعيد خطابي تقليدي، بل أمام تكامل وظيفي. فكل عنصر يؤدي دورًا محددًا، بناء الشرعية، إضعاف المؤسسات، فرض ضغط أخلاقي، والسيطرة على السردية، لكنها جميعًا تتقاطع عند هدف واحد: رفع كلفة عدم الامتثال سياسيًا وأخلاقيًا وإعلاميًا. وهذه هي السمة الأساسية لما يمكن تسميته بالإكراه غير المباشر.
تجدر الإشارة إلى أن تزايد الوظائف الإكراهية في خطاب "حزب الله" يتوافق مع مؤشرات ضغط أمني وسياسي واقتصادي ودولي متزامن، ما يشير إلى استجابة خطابية تكيفية تهدف إلى إعادة توسيع هامش الردع السياسي داخل بيئة داخلية متزايدة التعقيد.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم خطاب "حزب الله" كتمهيد لخيارات ضغط داخلية مدروسة، تتراوح بين التعطيل المؤسساتي، أو اللجوء إلى الشارع بشكل مضبوط، أو تكريس أشكال من السلطة الموازية. ومع ذلك، لا يحدد الخطاب بوضوح أي مسار سيتم اعتماده. ما يقوم به فعليًا هو خفض العتبة التي قد تسبق هذه الخطوات، من خلال إعداد الأرضية السياسية والذهنية لها.
بهذا المعنى، يعكس خطاب "حزب الله" انتقالًا من التعبير عن المواقف إلى التأثير في النتائج. فهو لا يكتفي بطرح حجج، بل يعمل على تقييد الخيارات المتاحة أمام الآخرين، حيث يصبح الخروج عن هذا الإطار مكلفًا بشكل متزايد، وفقًا لاعتقاد قادته.