خطاب برِّي: نصف معادلة للوطن والدولة

في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، لم يلقِ الرئيس نبيه بري خطاباً لاستعادة مواقف رجلٍ غائب، بقدر ما ألقى خطاباً لإدارة حاضرٍ شديد الالتباس. وبين سطور الكلمة، بدا أن الرجل يحاول الإمساك بعصا دقيقة: حماية لبنان من الفتنة من جهة، وحماية معادلة المقاومة من جهة أخرى. وهنا تحديداً تكمن قوة الخطاب وإشكالاته في آن.

النقطة الأكثر إيجابية وطنياً أن بري وضع السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش اللبناني في خانة الخطوط الحمراء، وحذّر من «تضييع لبنان» في الحروب الداخلية والانقسامات. والأهم أنه قال بوضوح إن الجنوب مسؤولية الدولة، وإن حفظه وإعادة إعماره مسؤوليتها. هذه عبارات لا ينبغي التقليل من أهميتها، لأنها تضع الدولة، نظرياً على الأقل، في موقع صاحب المسؤولية الأولى عن الأرض والناس والسيادة.

لكن السؤال الذي لا يستطيع الخطاب الإفلات منه هو: إذا كانت الدولة مسؤولة عن الجنوب، فهل تملك وحدها قرار الحرب والسلم؟

هنا يصبح الكلام أقل حسماً. فبري لم يذهب إلى إعلان حصرية السلاح والقرار العسكري للدولة، بل أبقى المقاومة والاستراتيجية الدفاعية في قلب المعادلة. وفي المقابل، فإن المصلحة الوطنية، مهما كانت مشروعية مقاومة الاحتلال، تقتضي في النهاية أن تكون هناك مرجعية واحدة، تقرر متى يحارب لبنان ومتى يفاوض، ومتى يقبل أو يرفض. الإعتراف بمسؤولية الدولة لا يكتمل بمجرد تحميلها مسؤولية إعادة الإعمار، بينما يبقى قرار الحرب خارجها.

أما رفض بري التفاوض «تحت النار»، وانتقاده حصيلة سبع جولات تفاوض، فهو موقف مفهوم في ضوء استمرار الاحتلال والدمار، كما أن رفضه إسقاط حق لبنان في مقاضاة إسرائيل عن جرائمها يندرج بوضوح في الدفاع عن السيادة. لكن النقد المشروع للتفاوض لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لأداة قد تكون، في لحظة معينة، الوسيلة الوحيدة المتاحة، الأقل كلفة لإنقاذ لبنان.

واللافت أن بري جعل «الفتنة» هي الخطر الأكبر، قائلاً إن المطلوب إسرائيلياً ليس حزب الله، أو حركة أمل أو الطائفة الشيعية، بل الفتنة. وهذه رسالة داخلية مهمة، لكنها تصبح أكثر إقناعاً حين تقترن بخطاب يتجاوز منطق الطوائف والأحزاب، إلى منطق الدولة وحدها.

الواقع أن خطاب بري قدَّم نصف المعادلة الوطنية بجرأة: لا فتنة، لا تقسيم، لا تهميش للجيش، والجنوب مسؤولية الدولة. أما النصف الأصعب، وهو حسم الخيار بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، فقد بقي مؤجلاً.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي تركه الخطاب معلّقاً: هل نريد دولة تحمي المقاومة، أم مقاومة تحمي الدولة؟ أم أن اللحظة اللبنانية باتت تفرض صيغة ثالثة سبقنا إلى إعلانها صاحب الذكرى قبل نصف قرن، عندما شدد الإمام الغائب بأن الدولة هي المرجع الأول والأخير لحماية كل اللبنانيين، وأن الدفاع عن الجنوب هو مسؤولية الجيش وحده، وكانّه يقول بمفردات اليوم: الدولة وحدها تملك قرار الحماية والحرب والسلام؟