المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الاثنين 14 أيلول 2026 00:36:04
تعرف إسرائيل جيداً كيف تستخدم التسريبات. وكيف تتلاعب في المفاوضات. فهذا جزء من حروبها وفنونها. من المشرق العربي إلى الخليج العربي. ويُفترض أن أكثر من يختبر التلاعب الإسرائيلي هم اللبنانيون، الذين انشغلوا يوم الخميس الفائت بكمّ كبير من التسريبات حول استعداد إسرائيل للانسحاب من بعض قرى الخط الأصفر، والتراجع إلى الخط الرمادي. ما أن مرت فترة قصيرة حتى فجّر الإسرائيليون علي الطاهر، وبعدها أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه يسرائيل كاتس أن إسرائيل ستبقى في المناطق التي وصلت إليها. بالأمس أيضاً، انشغل لبنان بتسريبات إسرائيلية حول استعداد للانسحاب من علي الطاهر والتراجع إلى قلعة الشقيف إضافة إلى دراسة إعادة انتشار وتموضع في جنوب لبنان. فترة قصيرة أيضاً، وخرج كاتس ليعلن ضم علي الطاهر إلى المنطقة الأمنية الإسرائيلية الخاضعة للخط الأصفر.
لعبة التسريبات
انتقلت التسريبات الإسرائيلية على مدى الأيام الماضية للتركيز على تطورات الخليج العربي، ولا سيما بعد ما جرى في اليمن وسعي الحوثيين للسيطرة على مضيق باب المندب والتحكم بالملاحة في البحر الأحمر. ضجت وسائل الإعلام الإسرائيلية بتسريبات كثيرة، حول قلق تل أبيب مما يجري، وأن ذلك يرتبط بالأمن الدولي والإقليمي، وصولاً إلى تسريبات تشير إلى أن إسرائيل تدرس إمكانية التحرك هناك، لتأتي بعدها تسريبات أخرى عن أن السعودية طالبت إسرائيل عبر القيادة المركزية في الجيش الأميركي بإمكانية مساعدة إسرائيل استخبارياً أو عملياتياً ضد الحوثيين في اليمن لمنعهم من السيطرة على باب المندب.
الاستغلال في الخليج
الهدف الإسرائيلي واضح. هو استغلال العمل العسكري الذي تقوم به بنفسها، في لبنان أو في أي منطقة أخرى لأجل تكريس نتائج سياسية تتعلق باتفاقات السلام التي ستقود لاحقاً إلى اتفاقات اقتصادية تريدها. كما أنها تستغل أي عمل عسكري يقوم به خصم لها ضد طرف أخرى تسعى إلى إضعافه أو تسعى إلى استدراجه إلى ملعبها. وهو تماماً ما تمارسه إسرائيل في متابعته لتطورات حرب اليمن وباب المندب. فقبل أسابيع خرج مسؤولون إسرائيليون وأعلنوا صراحة أنهم يريدون الوصول إلى اتفاقات مع السعودية ومع دول الخليج، لأن من مصلحة إسرائيل تصدير النفط الخليجي عبر مرافقها إلى أوروبا. اشتعال الحرب في اليمن والبحر الأحمر، وفي ظل الحرب المستمرة في مضيق هرمز فإن دول الخليج ستكون بحاجة للبحث عن ممرات جديدة لتصدير النفط. تريد إسرائيل أن تكون هي الوجهة الأساسية والوحيدة. كما أنها تريد استغلال أي اهتزاز أمني في الخليج، لتعلن استعدادها الدخول والمساعدة في مسعى لتثبيت حضور أمني وعسكري هناك يكون تمهيداً للوصول إلى حضور سياسي واقتصادي. ما يعني أن أي استعداد إسرائيلي للتدخل ضد الحوثيين في اليمن سيكون مرتبطاً بإدخال السعودية ودول أخرى في مدار الاتفاقات الإبراهيمية.
... وسوريا
ليس بعيداً عن ذلك، تبقى سوريا عنواناً أساسياً للصراع والتنافس، وهي التي تشكل ممراً أساسياً للخطوط البديلة عن هرمز والبحر والأحمر. فإسرائيل تسعى إلى تكثيف عملياتها فيها، وتعزيز تحركاتها العسكرية وتوسيع احتلالها لزيادة الضغط العسكري، بهدف استثماره سياسياً لاحقاً، ولقطع طريق الحجاز الذي يربط بين السعودية وتركيا عبر الأراضي السورية. تريد إسرائيل أن تكون هي المتحكمة بكل هذه الطرق والمسارات، استناداً إلى عملياتها العسكرية لفرض وقائع سياسية واقتصادية جديدة.
تغذية المشكلات الداخلية
ستواصل إسرائيل حربها في المشرق العربي، وتحديداً سوريا ولبنان. وقد تنفذ عمليات عسكرية على الحدود بين البلدين. كما أنها لن ترتكز فقط على نشاطها العسكري إنما على محاولة خلق مشكلات داخلية، سواء في لبنان عبر الضغط أكثر على الدولة اللبنانية لدفعها إلى مواجهة حزب الله من خلال طرح شرط سحب السلاح شمال الليطاني، وهذا سيكون أحد الشروط الأساسية في أي مفاوضات مقبلة، وهو الذي سيتحكم باجتماع سفيري لبنان وإسرائيل في أميركا لتحضير جدول أعمال الجولة الثامنة من المفاوضات الأمر الذي سينعكس مزيداً من الانقسام الداخلي اللبناني حول هذا الملف الذي سيكون عنواناً لتوتر كبير في الداخل بدءاً من جلسة مساءلة الحكومة في مجلس النواب وقد يمتد إلى الشارع. أما في سوريا فستسعى إسرائيل إلى تغذية المشكلات الداخلية إما في السويداء لتوتير الأوضاع على الطريق إلى دمشق، أو من خلال استغلال أي انقسامات سورية لإضعاف السلطة الجديدة، من دون إغفال مساع إسرائيلية لإقناع الأميركيين بضرورة تنفيذ عملية عسكرية جديدة في الجنوب السوري ونشر قوات عسكرية ونقاط أمنية هناك وتوسيع نطاق الأراضي التي تحتلها. أما في الخليج العربي فهي ستستمر بالمراقبة والمتابعة بانتظار لحظة الانقضاض أو الانتهاز، إلى لحظة تعلن فيها عن شروطها للتدخل، وهي لن تكون أقل من المطالبة بانضمام دول خليجية إلى مسار الاتفاقات الإبراهيمية.