خطة واشنطن لنزع سلاح حزب الله: تمويل الجيش وتعزيز قدراته

تكاد الإدارة الأميركية تصل إلى قناعة تامة بأن الجيش اللبناني عاجز بمفرده عن نزع سلاح "حزب الله"، حتى في "المناطق التجريبية" حيث وُضعت خطط لتطبيقها. وهذا الاستنتاج خلص إليه رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد بعد اجتماعات متتالية مع قيادة الجيش اللبناني.

صحيح أن تصريحات كليرفيلد قليلة، لكن ما توافر من معلومات خاصة بـ"المدن" من واشنطن يكشف أن الإدارة الأميركية باتت مطّلعة جيدًا على قدرات الجيش اللبناني. فهو لا يملك، ولا يستطيع أن يحصل في أي وقت قريب، على القوى البشرية أو المعدات أو التماسك الداخلي اللازم لنزع سلاح حركة تتفوّق عليه تسليحًا في كل جانب مهم تقريبًا، ما يعني أن "نزع السلاح" لا يحدث إلا حيثما يسمح "الحزب" بذلك.

وتؤكّد المعلومات أن المناطق التجريبية الثلاث، زوطر الغربية وصريفا وفرون، التي انتشر فيها الجيش اللبناني، كانت تحت سيطرة إسرائيل ولا وجود لـ"الحزب" فيها، بصرف النظر عن التأخّر في الاتفاق على الدولة التي ستتولى التحقّق من عملية نزع السلاح، وعلى الدول التي سيُسمح لها في نهاية المطاف بالتحقّق من أي عملية مماثلة، إضافة إلى غياب أي آلية لدخول المناطق التي تُخزَّن فيها ترسانة "الحزب" الفعلية.

وما تتبلّغه واشنطن دائمًا هو انتظار الجيش عملية توافق سياسي بين الحكومة و"الحزب"، من دون اللجوء إلى القوة. وهذا ما كان يُقلق الإدارة الأميركية التي دأبت على تكرار المواقف نفسها، سواء الصادرة عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأميركية، ومفادها أنه يجب الاحتكام إلى القوة بدلًا من الاكتفاء بجمع ما يسلّمه "الحزب" طواعية!

لكن اللجنة العسكرية الأميركية التي التقت الوفد العسكري اللبناني في الشهر الفائت طالبته بمسح كامل يشمل العديد والعتاد والسلاح، فتبيّن في نهاية المطاف أن الجيش اللبناني يمتلك نحو 60 ألف جندي في الخدمة الفعلية و35 ألف جندي احتياطي، ويعمل بأسطول يضم 115 دبابة قديمة من طرازي M48 وM60، ومدفعية محدودة، ودفاعاً جوياً غير فعّال، وجناحًا جويًا هجوميًا خفيفًا لا يمكنه الصمود أمام نظام دفاع جوي حديث محمول على الكتف، وهو النظام الذي يمتلكه "الحزب" بكميات كبيرة.

ورغم أن "الحزب"، بعد خمسة عشر شهرًا من الضربات الإسرائيلية التي أدّت إلى استنزاف مخزونه من الأسلحة الذي كان يمتلكه قبل الحرب، لا يزال يحتفظ، بحسب التقديرات، بأكثر من 25 ألف صاروخ وقذيفة، وآلاف الأسلحة المتطورة المضادة للدبابات التي تمنحه ما وصفه أحد التقييمات العسكرية الحديثة بـ"التفوّق النوعي المطلق" على دبابات الجيش اللبناني، إضافة إلى نحو ألف طائرة مسيّرة هجومية وأخرى للمراقبة، وما بين 40 ألف مقاتل و50 ألفاً في الخدمة الفعلية، مدعومين بعشرات الآلاف من جنود الاحتياط. لذلك بات الأميركيون يعتبرون أن المواجهة المباشرة ستكون غير متكافئة، وستكون، بحسب التقييم نفسه، "مهمة بالغة الخطورة" تقترب من الكارثية بالنسبة إلى الجيش اللبناني، والمدنيين اللبنانيين في أي حيّ يقع فيه الهجوم، والدولة اللبنانية نفسها.

وعمليًا، تبرز مشكلات أخرى داخل الجيش اللبناني على صعيد المناطق التجريبية، إذ تدرك لجنة التنسيق العسكرية الأميركية في لبنان أن عددًا كبيرًا من جنود الجيش هم من الشيعة، بل من العائلات نفسها التي ينتمي إليها مقاتلو "الحزب". لذلك فإن تكليف جندي شيعي بمداهمة قبو ابن عمه ليس وسيلة مضمونة لتنفيذ عملية مداهمة.

وتلفت مصادر أميركية مطّلعة إلى أن المسؤولين اللبنانيين والمبعوثين الأميركيين والتقييمات العسكرية المستقلة كلّها تُجمع على اعتماد معادلة "قائمة على التوافق"، تدريجية وتفاوضية، وليست هجومًا عسكريًا، مشيرة إلى أن هناك اتفاقًا ضمنيًا يقوم على خطط هجينة تحت إشراف أميركي، تقضي بأن يستمر الجيش اللبناني في التقدّم في المناطق التجريبية ليشمل بضع قرى إضافية بحلول نهاية سنة 2026، جميعها في الشريط الحدودي الذي أخلته إسرائيل، أو في مناطق ليست من أولويات "الحزب"، أو خالية من وجوده أصلًا.

أما جوهر ترسانة "الحزب" التي يرفض تسليمها إلى الجيش في شمال الليطاني، فسيتولى الجيش الإسرائيلي حكمًا معالجتها، كآلية تنفيذ حقيقية لتجريد "الحزب" من سلاحه، ولا سيما في الأماكن التي يعجز الجيش اللبناني عن الوصول إليها، على أن تُسلَّم لاحقًا إلى الجيش اللبناني.

لكن المصادر تؤكّد أنه كلّما ازداد الدعم العسكري والمالي للجيش اللبناني، ازدادت ضغوط إدارة ترامب على الحكومة اللبنانية للتوغّل في مناطق يسيطر عليها "الحزب". علمًا أن واشنطن ستبادر إلى تمويل إعادة الإعمار في المناطق التجريبية، وتحديدًا في البلدات الشيعية التي تنتقل من سيطرة "الحزب"، وهي استراتيجية "بديل حزب الله" التي يطرحها المسؤولون الأميركيون، وسيوفّرون لها الموارد اللازمة.

وتعتبر الإدارة الأميركية أن نجاح حلّ المناطق التجريبية لن يحلّ مكان تسوية أوسع مع إيران تكفل تسليم الصواريخ الدقيقة التي لا يزال "الحزب" يحتفظ بها في مخازنه، إذ لا يمكن أن تكون هذه المسألة جزءًا من عملية داخلية لبنانية فحسب.

إلى جانب ذلك، ترى المصادر أن هذه العملية ستتزامن مع تكثيف العقوبات المالية على "الحزب"، بهدف تفكيك شبكات تمويله، وهذا ما بدأت به واشنطن فعلًا منذ فترة. وهي لا تعتبر القنوات المالية التي تدعم "حزب الله" مجرد مسائل لوجستية داخلية، بل عناصر حيوية في استراتيجية إقليمية أوسع نطاقًا تُقوّض الأمن. لذلك تستهدف هذه المصادر التمويلية من أجل تقليص القدرة العملياتية لـ"الحزب" وإضعاف النفوذ الذي تمارسه إيران عبر شبكة وكلائها في الشرق الأوسط.

في نهاية المطاف، ستؤدي استراتيجية واشنطن إلى عزل "الحزب" عن النظام المالي العالمي وتعطيل سلاسل الإمداد التي تُمكّن أنشطته السياسية والعسكرية، ما سيؤدي إلى خنقه وإضعاف فاعليته، بالتوازي مع رفع مستوى التمويل والدعم للجيش اللبناني ليتمكّن من القيام بمهامه كاملة.