المصدر: نداء الوطن
الكاتب: كبريال مراد
الخميس 10 أيلول 2026 06:45:28
صحيح أن لا موعد محدّدًا حتى اللحظة لجولة مفاوضات جديدة في روما، لكن ذلك لا يعني أن الأمور عادت إلى نقطة الصفر، أو أن المسار الدبلوماسي الذي انطلق برغبة لبنانية ورعاية دولية توقّف. فغياب الموعد لا يعني إلغاء الجولة، بل يشير إلى أن العمل جارٍ على تهيئة الظروف التي تتيح عقد لقاء منتج، بدلا من إضافة جولة شكلية جديدة إلى روزنامة المفاوضات.
وبحسب ما تكشفه مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع لـ"نداء الوطن"، فإن ما بدأ سيُستكمل، وهناك اقتناع لدى الأطراف المعنيين بأن لا بديل واقعيًا عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، برعاية أميركية، لمعالجة القضايا العالقة وتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية "ومش كل شي بينحكى".
وفي هذا السياق، تؤكد المصادر أن المسار مستمر، وإن بدا بطيئًا أو متأنيًا في بعض المراحل. فالقضايا المطروحة شائكة ومتراكمة، ولا يمكن حلّها "over night" أو بين ليلة وضحاها. وتلفت إلى أن العودة بضعة أشهر إلى الوراء تكفي لإظهار حجم التحوّل الذي حصل، سواء لجهة اعتماد الدولة اللبنانية خيار التفاوض، أو لناحية انخراط القوى الدولية بصورة أكثر جدية في البحث عن تسوية قابلة للحياة.
وفي هذا الإطار، تشير المعطيات الى أن الأولوية في المرحلة الراهنة ليست لتحديد موعد الجولة المقبلة بقدر ما هي لتوفير مقوّمات نجاحها. ومن هنا، تتّجه الأنظار إلى مؤتمر باريس المقرّر في السابع عشر من أيلول الجاري، والمخصّص لحشد الدعم للجيش اللبناني وتمكينه من تنفيذ المهمات المطلوبة منه.
فالمؤسسة العسكرية تحتاج، وفق المصادر، إلى العتاد والإمكانات اللوجستية والتمويل الكافي كي تتمكّن من الانتشار الفعلي على كامل الأراضي اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، وتكريس حضورها بوصفها السلطة العسكرية الشرعية والرسمية. ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يطالب الجيش بتوسيع انتشاره وتحمل مسؤوليات إضافية، من دون أن يؤمّن له الوسائل الضرورية لتنفيذ هذه المهمات.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى مؤتمر باريس على أنه محطة منفصلة عن المسار التفاوضي، بل باعتباره جزءًا أساسيًا منه. فتعزيز قدرات الجيش يرفع من قدرة الدولة اللبنانية على الوفاء بالتزاماتها، ويمنحها ورقة قوة فعلية إلى طاولة المفاوضات، كما يوفّر ضمانة داخلية ودولية لأي تفاهم يمكن التوصل إليه.
وبعكس ما هو معلن أحيانًا، تشير مصادر دبلوماسية غربية إلى ما يمكن وصفه "بالتفهّم" للواقع الحالي لناحية أن الجيش "يقوم بما هو مطلوب منه، ولا يمكن تحميله ما لا قدرة له على تحمّله". من هنا، فالدول المعنية "مطولة بالها" بانتظار استكمال التجهيز والتمويل، للانتقال إلى الخطوات اللاحقة.
وعليه، تبدو الجولة المقبلة معلّقة لا ملغاة. أما موعدها، فسيتحدّد بعد اتضاح نتائج مؤتمر دعم الجيش ونضوج الاتصالات الجارية بعيدًا من الأضواء. والرهان ليس على السرعة بقدر ما هو على نوعية النتائج، لأن المطلوب جولة تؤسس لمسار قابل للتنفيذ، لا اجتماعًا بروتوكوليًا ينتهي بصورة تذكارية وبيان فضفاض أو إنشائي.
بناء على ما تقدّم، ينظر الى المرحلة الحالية على أنها مرحلة إعداد الأرضية: دعم الجيش أولا، ثم العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أفضل ورؤية أكثر وضوحًا. وتختم المصادر الدبلوماسية شارحة "إن نجاح الدبلوماسية لا يُقاس بعدد الجولات، بل بقدرتها على نقل لبنان من إدارة الأزمات إلى بناء حلّ يحفظ سيادته ويعيد القرار الأمني والعسكري كاملاً إلى مؤسسات الدولة.