رسالة العميان إلى المبصرين

في عصر التنوير والفلسفة الذي سبَقَ الثورةَ الفرنسية وهيَّأ لها، أطلق الفيلسوف الفرنسي «ديدرو» رسالة بعنوان: رسالة العميان إلى المبصرين، وهي رسالة عنوانها يعكس مضمونها.

لست أدري ما إذا كانت هناك رسالة مماثلة تنطبق على اللبنانيّين وينطبق عنوانها على مضمونها وفيها:

- إنّ أي مفاوضات أو مذكّرات تفاهم أو تفاهم إطارات، لا يمكن أن تؤدّي إلى انسحابٍ إسرائيلي من لبنان، حتى ولو تدخّل ضاغطاً الفيلُ الأميركي والعجلُ الإسرائيلي الذهبي.

هل تسلّم الوحشية الإسرائيلية بالانسحاب من لبنان ما لم يتمّ انسحاب السلاح من حزب الله؟ وما دام هناك خنادق مزخّرة بالمسيّرات والصواريخ والقذائف والمقاذيف وهي مصوَّبة إلى المستوطنات وما بعد بعد المستوطنات، وهذا ما تعتبره إسرائيل طوفاناً يهدّدُ وجودها الأمني والقومي؟

الذين يحرّضون على مواجهات غير متكافئة في القتال حتى ولو كان الصراع بين الدم والسيف، كمثل أصحاب البطولات على الشاشات، فليتفضَّلوا إلى ساحات الجنوب وهناك الرؤوس التي أينعت وحانَ قطافها.

وهمُ الذين يوجّهون الإتهام لرئيس الجمهورية بحجة أنّه يفرِّط في التنازلات ولا يواجهها بالرفض ولا يضرب بقدميه في الأرض، وكأنما رئيس الجمهورية يتولّى المفاوضات والجيش اللبناني يحتل الجليل ويقف على مشارفِ حيفا.

هذه هي الحقيقة التي إن صرّح بها واحدٌ يُتَّهمُ بالعمالة، ولا أظنّ أنّ أحداً يجرؤ على الإدّعاء بأنني لست أكثر المتشدّدين عداءً للعدو الإسرائيلي، وهناك عشرات العشرات من قرى الجنوب وغير الجنوب لا تزال تردّد صدى الجولات الشرسة التي كنت أشنّها على هذا العدو، على عنصرَّيتهِ وعدوانيَّته وهمجيَّته، منذ أنْ كان على يدِه قتلُ الأنبياء في أورشليم، وما استمّر حتى اليوم من مجازر على يده الملطّخة بالدم.

أقول هذا، ولا أزال مع أصدقائي من أهل النخبة الشيعية نغوص في ميادين النقاش توصّلاً إلى تحديد موضوعية المواضيع، وأنا في الشأن الشيعي لا يُقال لي بأنني ملكيّ أكثر من الملك، بل أنا، من صلْب الدواوين التي تميزّت بها المملكة.

في الخلاصات: ليس بالسلاح وحده تكون المقاومة...

وليس بالحزب وحده يكون التحرير...

هذا لا يعني أننا نستسلم للإحتلال، ولكن، فتِّشوا عن الوسائل التي تجعلنا كلنا مقاومين متساوين في وطنية المقاومة، ومتساوين في وطنية الوطن.

أيّ مستقبل وطني نعدّه للأجيال الطالعة ما دام هناك مدارس بما فيها مدارس رسمية، تجعل تلاميذها يفتتحون يومهم الدراسي بإنشاد النشيد الوطني لدولة أخرى، وأي روح وطنية عريقة تنمو فيهم... وأي مستقبل ينمو للبنان على يدهم؟

أيّ مستقبل نعدّه للجيل الطالع وهو يتأسّس على ثقافة الرشاشات استعداداً للمقاومة في الغد المجهول فإذا جيل المستقبل جيلٌ مقاتل: إمّا قاتلٌ أو مقتول، فيما هناك سلاحٌ أمضى اسمه العقل يحقّق به التفوّق والإنتصار.

نحن في القرن الواحد والعشرين لا تزال شريعة القتل عندنا مأثرةً وطنيةً ودينية، فيما سلاطين بني عثمان على شراسةِ جوْرهم في القرن الرابع عشر كانوا يستقدمون النصارى من القوقاز لخصْيِ العبيد، مثلما كان حكّامُ مصر يلجأون إلى الأقباط للقيام بعملية الخَصي، لأنّ قطْعَ أعضاءِ جسم الإنسان غير جائز في الفقه الإسلامي.

فهل علينا بعد، أن نتقهقر إلى ما قبل القرن الرابع عشر؟