سباق الأرقام التسلسلية... واشنطن تلاحق شبكة تهريب مليوني دولار لحزب الله

كشفت مصادر غربية أن الاستخبارات المالية الأمريكية بدأت في تفعيل أدوات تتبع رقمية متطورة لرصد الأرقام التسلسلية الخاصة بكتلة الـ200 مليون دولار، التي جرى تحويلها نقدًا من إيران إلى ميليشيا حزب الله في لبنان.

وقالت المصادر في تصريح لـ"إرم نيوز" إن العملية الاستخباراتية تهدف إلى اقتفاء أثر الشحنة النقدية عبر الأسواق المحلية والإقليمية، مما يتيح لواشنطن كشف الهويات الدقيقة لشبكة الصرافين والوسطاء السريين الذين تولوا هندسة عملية التهريب وحصلوا في مقابلها على عمولة باهظة بقيمة 40 مليون دولار.
عقوبات مرتقبة ضد الشبكات
وتوقعت المصادر أن تشهد الأسابيع المقبلة حزمة عقوبات ثانوية مشددة تستهدف تجاراً وشركات واجهة جديدة في الشرق الأوسط ثبت تورطها في تسهيل تسييل عوائد النفط الإيراني الرمادي لصالح الحزب، مما يعني أن المعركة المالية صامتة ومستمرة، وتدور رحاها في الخفاء بين شبكات نمل تبتكر ممرات أرضية، ومنظومات دولية تسعى لإغلاق آخر المنافذ التي يتنفس منها الحزب ماليًّا.

وكان التدفق الأخير لمبلغ 200 مليون دولار نقداً من طهران إلى ميليشيا حزب الله حظي باهتمام واسع لدى الأجهزة الدولية المعنية بمراقبة شبكات التمويل وصياغة العقوبات.
تفعيل شبكة النمل اللوجستية
ولا تكمن أهمية الشحنة المالية في كونها الأضخم التي يتم الإعلان عنها منذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية فحسب، بل في كونها كشفت عن تفعيل ما تُطلق عليه الدوائر الأمنية "شبكة النمل اللوجستية" العابرة للحدود.

وجاء هذا التحول بعدما نجحت الضغوط الاستخباراتية الدولية المشتركة في تجفيف وتفكيك الواجهات المالية والشركات التجارية التقليدية للحزب، التي طالما شكلت شرايين حياة له، مما أجبر الحزب وطهران على العودة إلى المربع الأول للتمويل المتمثل في "اقتصاد الكاش الصرف" والتهريب المادي عبر المسارات الرمادية.
عمولة قياسية لوسطاء التهريب
وأكدت المصادر الغربية المطلعة على ملف التمويل الإيراني أن الحظر الشامل المفروض على حركة الطيران والنظام المصرفي دفع الجماعة إلى الاستعانة بوكلاء ماليين مستقلين وصرافي فئة أولى يعملون في "المناطق الرمادية" الممتدة بين سوريا ولبنان والعراق.

وأوضحت أن القبول بدفع عمولة قياسية بلغت 20% -أي ما يعادل 40 مليون دولار ذهبت كأرباح صافية وفورية لهؤلاء الوسطاء السريين- يعكس حجم المخاطرة والضغط الذي كان يعيشه الحزب.

وتشير المصادر إلى أن العملية تضمنت نقل كتلة ورقية ضخمة يقترب وزنها الفيزيائي من ألفي كيلوغرام، وتفتيتها عبر معابر وعرة تفادياً لمنظومات الرصد الفائقة والذكاء الاصطناعي الذي يدير الأجواء.
تكتيك التجزئة في الجبال
من جانبه، يرى المحلل السياسي لطفي الزغيّر أن "شبكة النمل اللوجستية" تعتمد بالأساس على تكتيك التجزئة والتفتيت اللامركزي لتشتيت قدرات الرصد الاستخباراتي، حيث من المستحيل منطقيًّا نقل هذه الملايين دفعة واحدة في حقائب معدودة.

ويشير في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن هندسة التهريب البديلة هذه تقوم على تقسيم المبلغ الإجمالي إلى مئات الحزم الصغيرة التي تتراوح بين 500 ألف ومليون دولار للحزمة الواحدة، ومن ثم يُعهد بها إلى شبكة ممتدة من المهربين والمشاة المحليين المتمرسين على سلوك المسارات الجبلية الضيقة غير المرصودة في سلسلة جبال لبنان الشرقية.

ويتحرك هؤلاء الأفراد، بحسب المحلل الزغيّر، بالتوازي وبشكل منفصل تماماً، مستخدمين وسائل نقل بدائية ليلاً، بحيث إذا رُصد أحدهم أو استُهدف بغارة حرارية، لا تخسر الشبكة سوى جزء ضئيل من المال ولا تنكشف بقية الخيوط الأمنية للعملية.
استغلال الشحنات الإغاثية والبحرية
ويضيف أن التمويه اللوجستي لا يتوقف عند حدود المسارات الجبلية الوعرة، بل يمتد ليشمل استغلال الثغرات الإنسانية والتجارية في بيئة الحرب، إذ يرجح أن جزءاً غير يسير من هذه المبالغ جرى دمج صناديقه بعناية فائقة داخل قوافل المساعدات الإغاثية والطبية الرسمية القادمة عبر الحدود السورية، وهي شحنات يصعب على إسرائيل استهدافها عسكريًّا بشكل مباشر دون امتلاك معلومات استخباراتية قطعية بنسبة 100% تجنباً للإدانة الدولية.

ويقول إنه وعلى الجانب الآخر، تبرز الممرات البحرية الرمادية كخيار رديف عبر استخدام قوارب صيد تقليدية صغيرة تنطلق من موانئ غير مرصودة بدقة على الساحل السوري، لتلتقي في عرض البحر بقوارب لبنانية تحت غطاء الصيد الليلي المعتاد، حيث يتم تسليم حقائب الكاش يدويًّا بعيداً عن رادارات الموانئ الكبرى وأنظمة المراقبة الساحلية.
تداعيات الكاش على الاقتصاد
ومن المنظور الاقتصادي، فإن هذا الضخ المفاجئ لما يُعرف بـ"الكاش السياسي" يهدف بالدرجة الأولى إلى خوض معركة تثبيت البيئة الحاضنة وتأمين المساعدات العاجلة لنحو 50 ألف عائلة نازحة دُمرت قراهم، عبر توزيع مبالغ تصل إلى 300 دولار لكل عائلة.

غير أن الإجراء ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر هيكلية حادة على الاقتصاد اللبناني المتهالك أصلاً، فالحزب يتعمّد إبقاء دورة هذا المال "عمياء" كليًّا عن النظام المصرفي والرقابة الرقمية الدولية عبر التوزيع اليدوي المباشر، مما ينعش اقتصاد الكاش غير الشرعي ويسهم في غسيل الأموال داخل السوق المحلية، لكنه يضع أي مؤسسة تجارية أو مصرفية أو حتى مكاتب صرافة تتعامل مع هذا النقد تحت طائلة ملاحقة الخزانة الأمريكية وعقوباتها التي قد تعزلها تماماً عن النظام المالي العالمي.