المصدر: إرم نيوز

The official website of the Kataeb Party leader
الثلاثاء 28 تموز 2026 12:29:40
دخلت الساحة اللبنانية في مرحلة حبس أنفاس سياسية غير مسبوقة، بالتزامن مع التحضيرات الجارية لعقد الاجتماع العسكري والأمني في العاصمة الإيطالية روما، والذي يضم الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية مباشرة ومشاركة اللجنة الفنية الدولية.
ويأتي الاجتماع المثقل بالملفات الشائكة في لحظة حرجة للغاية، كشفت فيها قيادة الجيش اللبناني عن نفاد صبرها إزاء ما تسميه بيروت "سياسة القضم والتنصل" التي تمارسها تل أبيب على الأرض؛ ما يهدد بانهيار "اتفاق الإطار" وخلط الأوراق الميدانية في جنوب نهر الليطاني.
ولم يكن بيان قيادة الجيش اللبناني مجرد جردة حساب تقنية للخروقات الإسرائيلية، بل تعداها ليحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية.
وجاء خروج المؤسسة العسكرية عن صمتها بهذه النبرة التحذيرية الحادة كخطوة أخيرة أملتها الضرورة الميدانية، وذلك بعدما استنفدت بيروت كافة قنوات التواصل الدبلوماسية والسياسية الرامية لكبح الانتهاكات الإسرائيلية .
وطبقاً لمعلومات لبنانية متقاطعة، فإن الإصرار الإسرائيلي على عرقلة انتشار الوحدات العسكرية اللبنانية في القطاعات المحددة لها بموجب الاتفاق، دفع القيادة إلى رفع وتيرة الموقف الرسمي لوضع النقاط على الحروف قبيل الجلوس إلى طاولة روما في 4 أغسطس/آب المقبل، توجيهاً لرسالة حاسمة بأن لبنان لن يقبل بفرض أمر واقع جديد تحت وطأة الضغط الميداني.
وفي هذا السياق، تكشف مصادر لبنانية معنية بملف المفاوضات، عن معطيات جديدة تشير إلى أن الجانب اللبناني يمتلك تقارير موثقة تثبت تعمد الجيش الإسرائيلي إحداث تغييرات جغرافية وأمنية في المناطق التي يفترض انسحابه منها.
وتوضح المصادر في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الوفد اللبناني الذاهب إلى روما سيتسلح بموقف رسمي موحد يحمل تفويضاً واضحاً برفض أي تعديل على آليات تنفيذ "اتفاق الإطار".
وتضيف المصادر ،أن الدوائر الدبلوماسية اللبنانية أبلغت الوسيط الأمريكي صراحة بأن التفاهمات الحالية لا تزال صامدة فقط بفضل جهود واشنطن، وأن أي تراخٍ أميركي في الضغط على تل أبيب سيعني حتماً سقوط الترتيبات الأمنية برمتها، محمّلة إسرائيل المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا الانهيار.
وتلفت المصادر اللبنانية ذاتها إلى أن الخطة الإسرائيلية للاجتماع المرتقب باتت مكشوفة لدى مراكز القرار في بيروت.
وتتلخص هذه الخطة بحسب المصادر ، في ممارسة ضغوط مضادة ومكثفة على الوفد اللبناني بهدف "توسيع مهام الجيش اللبناني".
وتريد تل أبيب تحويل تفويض المؤسسة العسكرية من قوة انتشار سيادية تثبت الاستقرار، إلى قوة تفتيش ومداهمة تستهدف مستودعات ومخازن الأسلحة التابعة لحزب الله، مستشهدة بنقاط جغرافية محددة مثل "تلة علي الطاهر" ومناطق قريبة منها.
ويُعد الطرح الإسرائيلي لغماً سياسياً وأمنياً، يهدف إلى توريط الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع بيئته الشعبية وفي صراع داخلي ترفضه العقيدة العسكرية اللبنانية بالمطلق.
من جانبه، يرى المحلل السياسي ميشيل نجم، أن المشهد الراهن يعكس صراع إرادات حاداً بين منطقين؛ المنطق اللبناني المتمسك بالسيادة الكاملة والانسحاب الإسرائيلي الفوري غير المشروط، والمنطق الإسرائيلي الساعي إلى فرض معادلة "الأمن قبل الانسحاب".
ويشير في تصريح لـ"إرم نيوز" ، إلى أن التركيز الإسرائيلي على تلة "علي الطاهر" يحمل دلالات عسكرية بالغة الأهمية، نظراً للموقع الاستراتيجي المشرف لهذه التلة وقدرتها على كشف خطوط الإمداد والحركة في القطاع الأوسط، مما يفسر القصف المدفعي المركز الذي تعرضت له مؤخراً كنوع من التمهيد الميداني لفرض الشروط السياسية في المفاوضات.
وينبه المحلل السياسي نجم، إلى خطورة ما يسمى "المناطق النموذجية التجريبية"، مثل فرون وصريفا وزوطر.
وأكد أن إسرائيل تحاول استخدام هذه البلدات كحقل اختبار لنموذج أمني متشدد، تسعى من خلاله إلى انتزاع صلاحيات تفتيشية استثنائية للجيش وللقوات الدولية؛ وهو ما يعني في حال القبول به تحويل هذه المناطق إلى ما يشبه الحزام الأمني المقنع بأدوات شرعية.
ويعتبر، أن الموقف اللبناني الذي يربط أي تفتيش أو إجراءات أمنية بـ "الانسحاب الكامل أولاً" هو الموقف الوحيد القادر على حماية السيادة اللبنانية، مانعاً تل أبيب من استخدام ورقة السلاح للتنصل من التزاماتها الدولية وتأخير جداول الانسحاب التدريجي المقرة سابقاً.
وتأسيساً على ما تقدم، تبدو العاصمة الإيطالية روما أمام جولة مفاوضات بالغة التعقيد، لن تكون فيها التنازلات سهلة لأي من الطرفين.
فالجيش اللبناني، المسنود بقرار سياسي رسمي وبتفويض سيادي، يدرك تماماً حجم الفخاخ المنصوبة له في الجنوب، بينما تسعى حكومة تل أبيب إلى تحقيق مكاسب أمنية عجزت عن فرضها خلال العمليات العسكرية الواسعة.
وبين هذا وذاك، يبقى الوسيط الأميركي أمام المجهر الدولي، حيث تقع على عاتقه مسؤولية كبح جماح الطموحات الإسرائيلية، وإلا فإن بديل الفشل في روما لن يكون سوى العودة إلى لغة الميدان وتصاعد نبرة السلاح على جانبي الحدود مجددا.