سقط مخيم تل الزعتر وكان الثمن كبيرًا... استشهاد وليم حاوي

تلقت قوات "الجبهة اللبنانية" ضربة كبيرة باستشهاد وليم حاوي قائد القوى النظامية الكتائبية في تل الزعتر في 13 تموز 1976. يقول ناجي بطرس المسؤول العسكري الكتائبي وكان آخر من تحدث مع وليم حاوي قبل لحظات من استشهاده: وصل القائد وليم حاوي إلى موقعي وبعد أن استكشف المواقع الفلسطينية المواجهة، قرر التقدم إلى موقع آخر فنصحته أن يلتف من الخلف لأن هناك رصاص قنص فلسطيني، فرد باسمًا: لا يموت أحد إلا عندما تأتي ساعته وأكمل طريقه.

تابع: على بعد أقل من 50 مترًا شاهدته يسقط أرضًا بعد أن أصابته رصاصة قناص، ففتحنا معركة كبيرة في محاولة للوصول اليه سريعًا علّه مصابًا ولم يستشهد، كنت أول من وصل إليه وكان استشهد منذ اللحظة الأولى، فعمت الشباب حالة من الغليان وصلت إلى حد الجنون وبقوة جبارة استطعنا تهدئتهم.

يختم: لو كان القائد وليم حاوي مقاتلا معي لكنت منعته من التقدم، لكنه كان أعلى مني رتبة ولا يمكنني إلا نصحه فقط.

ماذا عن أعداد الشهداء والقتلى؟

دائمًا هناك ضبابية في هذا الملف في جميع مراحل الحرب، ولم تصدر بعد أي دراسة علمية مثبة بالأسماء عن أعداد الشهداء والضحايا والمفقودين وبلداتهم الذين سقطوا خلال الحرب اللبنانية، فتُنشَر أرقام إمّا مضخمة أو مخففة لأسباب عاطفية.

بالنسبة لمخيم تل الزعتر، وصل الكلام لدى البعض عن سقوط ما يقارب 700 شهيد من مجموعات "القوات اللبنانية" في الهجوم، ونحو 2400 فلسطيني من المخيم.

على هذا الكلام يرد باحث بالقول: هذه أرقام مضخمة ووهمية وعاطفية، فحصار تل الزعتر استمر 52 يومًا، فهل يعقل أن يكون سقط 14 مقاتلا يومياً؟: أين الأسماء ومن أي بلدات هم؟

في المقابل هل يعقل أن يقتل 2400 فلسطيني في تل الزعتر؟ أين دفنوا؟ أي مقابر جماعية في تل الزعتر ممكن أن تستوعب هذا العدد الهائل من الجثث؟ ومؤكد أنّ من خرجوا من مخيم تل الزعتر لديهم جداول باسماء المفقودين من المخيم هل ممكن نشرها بعد 50 عامًا؟ أم المطلوب بقاء الأرقام عاطفية؟

يؤكد مسؤول عسكري سابق كان شارك في الهجوم على تل الزعتر من اليوم الأول هذا الكلام، ويضيف: نعم الأرقام مضخمة وفي قناعتي أنه سقط لأحزاب الجبهة اللبنانية حوالى 100 مقاتل وليس أكثر ومؤكد أنّ الرقم لم يصل الى 150 شهيدًا نصفهم تقريبًا استشهدوا في الأيام الأولى للهجوم، ولاحقًا خلال أيام الحصار كان تمرّ أيام  عدة من دون سقوط أي شهيد "أنا كنت في غرفة العمليات"، وفي قناعتي سقط للفلسطينيين ما بين 600 إلى 700 قتيل قد يكون نصفهم قتلوا في الأيام الأخيرة قبل سقوط المخيم: أنا كنت موجودًا على الأرض أين المقابر الجماعية للفلسطينيين التي ضمت مئات القتلى؟ كلام غير علمي.

سقط مخيم تل الزعتر

بعد حصار لمدة 52 يومًا سقط المخيم في 12 آب 1976 وتم إجلاء ما يقارب 12 ألفًا من سكانه إلى بيروت الغربية بواسطة الصليب الأحمر الدولي ومنها انتقلوا إلى الدامور المهجرة وأقاموا في منازلها المهجورة، وكان سقط مخيم جسر الباشا في 29 حزيران ومحلة النبعة في 7 آب.

وكان قبل ساعات من سقوط مخيم تل الزعتر وبعد أن تأكد سقوطه، قامت مجموعات من "كتائب" المتن الشمالي بفتح ممر آمن لمن يرغب بالخروج من المخيم إلى ملاعب مدرسة الفندقية في الدكوانة، حيث تم تجميع الآف الفلسطينيين لنقلهم إلى بيروت الغربية، وهناك قدمت لهم الاسعافات والمأكل، وعاد وتسلم المبعوث العربي حسن صبري الخولي من الشيخ أمين الجميل 170 مقاتلا من جنسيات لبنانية، سورية، فلسطينية، مصرية، عراقية، كانوا يقاتلون في تل الزعتر.

هل حصلت تعديات في حق الفلسطينيين المستسلمين؟

يرد مسؤول عسكري سابق: نعم لنعترف بذلك حصلت تعديات. كانت الأوضاع سيّئة جدًّا على الأرض وهناك مقاتلون فقدوا أهلهم على يد الفلسطينيين فحاولوا الانتقام.

تابع: حاولنا المستحيل لوقف ما يجري ونجحنا بنسبة كبيرة، في إحدى المرات اضطروا كتائب المتن الشمالي لاطلاق النار على مجموعة عسكرية لابعادها عن فلسطينيين كانوا استسلموا وأمنوا وصولهم الى ملعب مدرسة الفندقية.

لماذا رفضت القيادة الفلسطينية إخلاء المخيم؟

في لقاء مع الصحافيين بعد سقوط مخيم تل الزعتر، أوضح الشيخ بشير الجميّل أنه لو قبلت القيادة الفلسطينية باخلاء المخيم، لكنا استطعنا منع التجاوزات التي حصلت، ودعاهم لمرافقته لمشاهدة المقابر الجماعية التي اكتشفت في المخيم والأماكن التي كانت تستعمل لتعذيب المخطوفين.

وفي برنامج "حرب لبنان" الذي بثته محطة "الجزيرة"، أشار العماد ميشال عون إلى أنه تم طرح التفاوض مع الفلسطينيين المحاصرين داخل المخيم بحيث يتم تجريدهم من السلاح وتأمين عبور آمن للمسلحين، لكن قيادتهم ظلت تعطيهم الأوامر حتى يقاوموا ويرفضوا أي مفاوضات إلى أن سقط المخيم عسكريًّا.

أما الوزير السابق ميشال سماحة فيحمّل المسؤولية الأولى والمباشرة في كل نقطة دم جرت في تل الزعتر ومحيطه للقيادة الفلسطينية.

ويقول جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي إنه لم يكن بالامكان انقاذ مخيم تل الزعتر عسكريًّا، بل كان ممكن انقاذه سياسيًّا، لكن الثمن السياسي المطلوب من قبل دمشق لانقاذ المخيم كان القبول بالشروط السورية للحلّ في لبنان وهذا ما رفضه ياسر عرفات.

على ما تردد عن رفض ياسر عرفات شروط سوريا لانقاذ المخيم، يقول مسؤول سابق في "القوات اللبنانية": عادت منظمة التحرير الفلسطينية وتحالفت مع سوريا بعد سنة إثر زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل ونسيت مخيم تل الزعتر ومن قتل فيه، وبقيا على تحالف حتى سنة 1983.

أما "الجبهة اللبنانية" التي دفعت مئات الشهداء في مواجهة الفلسطينيين في تل الزعتر وغير تل الزعتر عادت عام 1985 وتحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية ويوم زار العماد ميشال عون تونس عام 1989 وكان رئيسًا للحكومة الانتقالية، التقى ياسر عرفات الذي سلمه البندقية الفلسطينية في لبنان، وعادت منظمة التحرير الفلسطينية ودعمت العماد ميشال عون في حرب التحرير ضد الوجود السوري في لبنان.

في المحصّلة حصل ما حصل وأزيل مخيم تل الزعتر ومخيم جسر الباشا رغم اعتراض بعض القيادات التي رفضت جرف المنازل معتبرة أنه يمكن اسكان المهجّرين المسيحيين الذين لجأوا إلى المنطقة الشرقية فيهم، ونجحوا لاحقًا في وقف عمليات الجرف.

تبقى حقائق للتاريخ

حصلت فواجع على أيدي فلسطينيين من مخيم تل الزعتر في حق أهالي الجوار المدنيين قبل اندلاع الحرب ومع بداياتها يندى لها الجبين.

حصلت فواجع بعد سقوط المخيم على أيدي بعض مقاتلي "الجبهة اللبنانية" في حق بعض المدنيين الفلسطينيين من سكان المخيم يندى لها الجبين.

قال لي يومًا ضابط سابق كبير: لم تحصل مجزرة خلال الحرب اللبنانية طالت مدنيين إلا وكان خلفها عناصر مخابراتية مدسوسة بين كل الأطراف وهذا كنا نتأكد منه في كل مراحل الحرب: كان وقتها قدر لبنان الليالي السوداء.

هل يمكن بعد 50 سنة على تلك الأحداث أن نحاول معرفة من قاموا بالتعديات والمجازر في حق اللبنانيين والفلسطينيين؟ وما هي خلفياتهم؟ ليس فقط في تل الزعتر بل على مجمل الأراضي اللبنانية.

بعد حادثة عين الرمانة في 13 نيسان 1975 صدرت مجلة "الحوادث" وعلى غلافها صورة للشيخ بيار الجميل وياسر عرفات وتحتها كلمة "المظلومان".

اليوم بعد 51 سنة على اندلاع تلك الحرب المجنونة التي دمرت بلدنا يتأكد أكثر فأكثر أن الشعبين اللبناني والفلسطيني كانا المظلومين في هذه الحرب واستعملا وقودًا لها.

ويبقى السؤال: من ظلمهما؟