المصدر: eremnews

The official website of the Kataeb Party leader
الخميس 1 تشرين الأول 2026 17:52:06
تتزامن المواجهات العسكرية في جنوب لبنان مع معركة عقارية صامتة لا تقل خطورة عن الصواريخ الميدانية، وتتمحور حول اتهامات متزايدة لمسؤولين وقيادات في "حزب الله" بتسهيل صفقات بيع أراضٍ في بلدات إستراتيجية لصالح جهات إسرائيلية بطرق غير مباشرة عبر سماسرة وشركات واجهة وهمية.
سجال سياسي واستنفار قانوني
وتحول الملف سريعًا إلى مادة للسجال السياسي بين القوى اللبنانية؛ ما دفع مؤسسات الدولة إلى بحث إجراءات قانونية لتقييد البيوعات في مناطق الجنوب، وسط تحذيرات من احتمال استغلال ظروف الحرب والنزوح لتمرير صفقات عقارية مثيرة للشكوك.
واكتسب الملف بعدًا علنيًّا عقب تصريحات لرئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات، الجنرال المتقاعد هشام جابر، تحدّث فيها عن معلومات تتعلق بتورط مسؤولين سياسيين شيعة، بينهم وزير سابق محسوب على الثنائي الشيعي، في تسهيل صفقات بيع أراضٍ، قال إنها تصب في مصلحة جهات إسرائيلية عبر وسطاء وشركات متعددة الجنسيات.
وحذّر جابر من استغلال التدهور المعيشي وضغوط النزوح لتمرير هذه التنازلات الجغرافية، معتبرًا أن تورط شخصيات من داخل بيئة حزب الله أو تدور في فلكها يعد خيانة عظمى تستوجب فتح تحقيق داخلي وقضائي فوري لكشف أدوار السماسرة المحليين والضرب بيد من حديد على كل من يسهل اختراق الأمن القومي اللبناني من بوابة الملكية العقارية.
وتتقاطع التقارير والتحقيقات الصحفية في بيروت عند حقيقة أن هذا الاختراق العقاري لا يمكن أن يتم بشكل مباشر بسبب القوانين اللبنانية الصارمة التي تمنع بتاتًا تملك الإسرائيليين أو من يمثلهم وتضع قيودًا مشددة على تملك الأجانب، بل يجري الاعتماد على آليات معقدة وملتوية تبدأ بتأسيس شركات "أوفشور" مسجلة في ملاذات ضريبية آمنة تظهر على الورق ككيانات لاستثمار سياحي أو زراعي.
ويعود تمويل هذه الشركات لحركات استيطانية إسرائيلية أعلنت صراحة عن أطماعها في جنوب لبنان، بالتوازي مع قيام السماسرة بعرض مبالغ مالية ضخمة بالدولار النقدي تفوق القيمة السوقية للعقارات المدمرة لإغراء الملاك تحت وطأة النزوح والحاجة المالية، وصولاً إلى تنظيم وكالات بيع عامة وخاصة لدى كتاب العدل دون تسجيلها فوراً في الدوائر العقارية لإبقاء العمليات طي الكتمان بعيداً عن الرقابة المشددة.
وأمام هذه التطورات المريبة لم تقف الحكومة اللبنانية مكتوفة الأيدي، بل بادرت إلى تحرك استباقي بناء على اقتراح عاجل من وزارة المالية، حيث أقر مجلس الوزراء مشروع قانون استثنائي يقضي بمنع التصرف والبيوعات العقارية في كافة المناطق الواقعة تحت الاحتلال أو المتضررة مباشرة من العمليات العسكرية في جنوب لبنان وبقاعه.
ويرى خبراء التشريع والقانون في بيروت أن هذه الخطوة تمثل حائط صد تشريعيًّا أغلق الثغرات أمام السماسرة والشخصيات النافذة، إذ جمد القرار عمليًّا صلاحية كتاب العدل في تنظيم أي وكالات بيع تتعلق بعقارات الجنوب؛ ما جعل أي اتفاق عقاري يجري خارج الأطر الرسمية باطلاً بطلاناً مطلقاً ولا قيمة قانونية له في المستقبل لحماية الهوية والسيادة اللبنانية.
مخططات إسرائيلية بعيدة المدى
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي لطيف أبو السبع، أن سعي إسرائيل لوضع يدها على مساحات جغرافية حيوية في الجنوب هو أسلوب مكمل للعمليات الميدانية وليس منفصلاً عنها.
ويشير في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى خطورة استغلال الاحتلال للضائقة الاقتصادية الخانقة، والدمار الذي لحق بالبلدات، وظروف النزوح الطويل لإغراء ملاك الأراضي أو السماسرة المحليين عبر واجهات استثمارية غربية وشركات "أوفشور" تخفي الهوية الحقيقية للمشتري.
ويعتبر الخبراء أن هذه المحاولات تهدف إلى فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يخدم المخططات الإسرائيلية بعيدة المدى في المنطقة الحدودية.
وأوضح المحلل السياسي أن قرار الحكومة اللبنانية بتجميد ومنع عقود التصرف والبيوعات العقارية في بلدات الجنوب المحتلة أو المتضررة، خطوة استباقية حاسمة لحماية السيادة.
وأشار إلى أن القرار سحب قانونياً "سلاح الوكالات العقارية" من أيدي أي سماسرة أو مسؤولين قد يسعون لاستغلال نفوذهم لتسهيل الصفقات، موضحاً أنه بموجب هذا التدبير أصبحت أي عملية بيع أو تنازل تجري خارج الأطر العقارية الرسمية باطلة بطلاناً مطلقاً ولا قيمة قانونية لها؛ ما يمنع انتقال الملكيات لجهات مجهولة.
وخلص إلى أنه، رغم عدم إصدار القضاء اللبناني لوائح اتهام رسمية بأسماء مسؤولين محددين حتى الآن، فإن خطورة الطروحات الاستيطانية الإسرائيلية العلنية تستدعي الإبقاء على أعلى درجات اليقظة القانونية والأمنية.
وأضاف أن حماية الأرض في الجنوب لا تتم فقط بالبندقية، بل أيضًا بتحصين السجل العقاري ودعم صمود المواطن الجنوبي اقتصاديًا، حتى لا يقع تحت ضغط الحاجة المالية وإغراءات الأموال المشبوهة.