المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الأربعاء 12 آب 2026 07:30:37
لا تفاجئ التفخيخات والتعقيدات المتناسلة والمتراكمة على درب الجولات التفاوضية بين لبنان وإسرائيل كل من لا يزال يقيم على ذاكرة استحضار تجربتي المفاوضات في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، علما أن ما كان ساريا في الماضي زادته الآن وقائع أشدّ تعقيدا وقسوة في أيّ مفاوضات بين دولة عربية وإسرائيل. لم يكن هناك حينذاك، على الأقل، الأثر الهائل لطوفان السابع من تشرين الأول الذي يقف وراء تفجير العدوانية التفاوضية كما الميدانية الإسرائيلية آلاف الأضعاف.
كما لم تكن العدوانية في تمدد النفوذ الإيراني بالثقل المذهبي والحزبي والسياسي والأمني إياه الذي برز في أشد وجوهه خطورة عبر المشاركة المباشرة للحرس الثوري الإيراني في تمدد "حزب الله" المسلح وترسانته فوق الأرض وفي الأنفاق تحتها. ومع ذلك، شكلت عشرات جولات المفاوضات المؤرخة والمؤرشفة حتما لدى الجانبين اللبناني والإسرائيلي، كما لدى المفاوضين الشهود الأحياء، نماذج عن صعوبة خيارات التفاوض، التي للمناسبة- وهذا أمر بالغ الأهمية والتأثير- كانت تُفرض قسرا بقوة "الأمر القاهر" دوما، على السلطات اللبنانية المتعاقبة، بما فيها تلك التي والت واستسلمت لتحالف الوصايتين السورية والإيرانية ونفذت مآربهما وامتثلت لتوجيهات النظامين الظلاميين وأهدافهما.
هي مقدمة ضرورية للخلاصات التي تفرضها الوقائع الجارية بعد سبع جولات من المفاوضات الأحدث عهدا بين لبنان وإسرائيل، التي يفترض أن يكون "القرار الإستراتيجي" للحكم الذي اتخذ قرار سلوكها قد امتلك الكافي من الخلفيات التاريخية والديبلوماسية، بالإضافة إلى المعطيات الموضوعية الكاملة ميدانيا في ميزان قوى كارثي من ناحية موقع الدولة اللبنانية، ناهيك بالتحضر والتهيؤ للمطبات المفاجئة التي ستدهم، وهذا ما يجري راهنا، الجولة تلو الجولة من المفاوضات.
والحال أن لبنان وحده الآن، على المستوى العربي تحديده، وبعد تجربة الوساطات الأميركية والإقليمية الأخرى في وقف حرب غزة عقب السابع من تشرين، يبدو عرضة لامتحان التجربة التفاوضية الأهم والأكثر تأثيرا وامتدادا على النطاق العربي، إذ إنه حتى "سوريا الجديدة" نفسها لم تمضِ قدما بعد في تجربة تفاوضية معمقة كتلك التي يخوضها لبنان، رغم خضوع جنوبها لاحتلال متجدد مترامي المساحة.
حين خاض لبنان مفاوضات اتفاق 17 أيار 1983، وهي الأقرب إلى الإسقاط على التجربة الحالية، كانت الأوضاع والظروف الإقليمية والدولية وصورة ذاك العالم أشدّ تضييقا على عهد الرئيس أمين الجميل ومفاوضيه. كان لبنان منسحقا تحت احتلال إسرائيلي حتى بيروت، وكانت مطرقة الحرب الباردة تسحق بقايا إرادة لبنانية حاولت بالاتكاء أيضا على الأميركيين، إنهاء الاحتلال، ولكن كان هناك اتحاد سوفياتي ونظام حافظ الأسد وبدايات تسلل نظام الملالي الإيراني مع منظومة الفصائل الفلسطينية واليسارية المترامية.
الفارق الكبير الانقلابي في الصورة الإقليمية والدولية الآن، شكّل أول درس قاس للبنان، إذ إن الضربات القاصمة التي تلقاها "محور الممانعة" الذي يعدّ المتسبب الأول والأخير للبنان بعودة الاحتلال الإسرائيلي إلى الجنوب بأشرس إجراءاته هذه المرة، لم تقترن بعد بما كان يترقب ويؤمل أن ينجم عن المفاوضات كخيار ديبلوماسي سلمي يفتح الطريق أمام خلاص لبنان النهائي من كونه ساحة مستباحة على اسم فلسطين وإيران وسائر منظومات الممانعة البائدة. ومع ذلك، فإن هذا الخيار لم يعد يحتمل طبيعة ارتدادية لأن لبنان سيواجه في أيّ حال المعادلة - المأزق إياها، أي تسييل التزاماته بحصر السلاح، وتاليا نزع سلاح "حزب الله". ولا مفرّ من تحمل الاستنزاف الطويل!