شيباني أمام مهلة 24 آب: مخرج رئاسي أم مواجهة دبلوماسية؟

عاد الاشتباك الدبلوماسي بين وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي وطهران إلى الواجهة، مع اقتراب انتهاء تأشيرة السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني، يوم الإثنين في الرابع والعشرين من آب. فالملف الذي بقي معلّقاً منذ رفض لبنان اعتماده سفيراً، لم يعد يقتصر على خلاف بشأن اسم دبلوماسي أو إجراءات بروتوكولية، بل تحوّل إلى اختبار جديد لقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها السيادية، من دون دفع العلاقات اللبنانية–الإيرانية نحو أزمة مفتوحة.

وبين إصرار رجّي على مغادرة شيباني الأراضي اللبنانية، ومساعٍ سياسية تقودها بعبدا وعين التينة بالتنسيق مع حارة حريك لإيجاد مخرج، دخلت القضية مرحلة سباق مع الوقت. إذ لم تعد المهلة المتبقية تسمح بالكثير من المناورات، فيما تبدو الخيارات القانونية محدودة، ويصعب فصلها عن الحسابات السياسية الداخلية والتوازنات الإقليمية.

 

رجّي: قرار نهائي لا يخضع للتسوية

لم يترك وزير الخارجية مساحة كبيرة للاجتهاد بشأن موقفه. فقد أكد علناً أن قرار لبنان حاسم وواجب التنفيذ، وأن إعلان أي دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه يُسقط مفاعيل أي تأشيرة دخول أو إقامة مُنحت له سابقاً، ويلزمه بمغادرة أراضي الدولة المضيفة.

وبحسب رجّي، فإن الحديث عن إمكان تجديد إقامة شيباني أو "تسوية وضعه" بعد رفض اعتماده، لا يستند إلى أساس قانوني، بل يشكل ما وصفه بـ"الهرطقة القانونية"، ويتعارض مع قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية. وانطلاقاً من ذلك، يعتبر وزير الخارجية أن القرار سيادي ونهائي، ولا يجوز الالتفاف عليه عبر تغيير صفة شيباني أو منحه إقامة من نوع آخر.

وتقول مصادر مقربة من وزارة الخارجية لـ"المدن" إن موقف رجّي ليس للمناورة، بل يعكس قناعة سياسية وشخصية لديه بضرورة تثبيت صلاحيات الدولة ومنع تجاوز قراراتها. وتشير المصادر إلى وجود ضغوط خارجية تدفع في الاتجاه نفسه، وتشدد على ضرورة عدم التراجع بعدما أبلغ لبنان الجانب الإيراني موقفه رسمياً.

وعليه، فإن قبول أي صيغة تسمح لشيباني بالبقاء قد يُفسّر على أنه تراجع أمام الضغط السياسي، ويضعف موقف الخارجية في ملفات دبلوماسية أخرى. أما الإصرار على تنفيذ القرار، فقد يفتح الباب أمام تصعيد مع طهران، ويهدد بإحداث توتر داخلي جديد مع حزب الله وحركة أمل.

 

عون بين القرار السيادي والحسابات الداخلية

وسط هذا التجاذب، يجد رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسه أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، يسمح الالتزام بقرار الخارجية بتأكيد قدرة الدولة على فرض سيادتها، ويعزز موقع لبنان أمام الولايات المتحدة ودول غربية تراقب عن كثب طريقة تعاطيه مع النفوذ الإيراني. ومن جهة ثانية، يدرك عون أن تحويل قضية شيباني إلى مواجهة مباشرة مع طهران قد يفاقم التوتر مع الثنائي الشيعي، ويُدخل البلاد في انقسام سياسي وطائفي لا يحتمل تداعياته في هذه المرحلة.

وتقول مصادر سياسية مطلعة إن رئيس الجمهورية لا يرغب في كسر قرار وزير الخارجية أو الظهور بموقع المتراجع أمام طهران، لكنه لا يريد أيضاً أن تؤدي القضية إلى شرخ إضافي مع شريحة واسعة من اللبنانيين. لذلك، يجري البحث عن صيغة توفّق، قدر الإمكان، بين تثبيت الموقف اللبناني ومنع تحول الملف إلى مواجهة سياسية مفتوحة.

لكن المهمة تبدو معقدة. فأي تنازل في الشكل قد يُقرأ على أنه تراجع في المضمون، خصوصاً أن شيباني لم يغادر لبنان بعد رفض اعتماده، واستمر في التنقل والمشاركة في المناسبات بصفته ممثلاً إيرانياً، رغم موقف السلطات اللبنانية.

 

بري يحاول احتواء التصعيد

يتولى رئيس مجلس النواب نبيه بري جانباً أساسياً من محاولات الاحتواء. وبحسب المعلومات، كان بري قد طلب أكثر من مرة من رئيس الجمهورية العمل على معالجة القضية، تجنباً لانفجار أزمة دبلوماسية مع إيران. إلا أن الاتصالات السابقة لم تفضِ إلى حل نهائي، فعادت المشكلة إلى الواجهة مع اقتراب انتهاء التأشيرة.

ولا يرغب بري في تحويل القضية إلى سبب جديد لعرقلة علاقته ببعبدا، ولا سيما بعد المحاولات التي بُذلت خلال الفترة الماضية لإدارة الخلافات بين الرئاستين من دون الوصول إلى القطيعة. لذلك، يجري التواصل بين عين التينة وبعبدا للبحث عن تسوية لا تظهر أي طرف في موقع المتراجع أو المهزوم.

وتشير أوساط قريبة من عين التينة إلى أن بري يتعامل مع إيران من زاويتين متداخلتين. الأولى سياسية وإقليمية، انطلاقاً من قناعته بأن أي تفاهم أميركي– إيراني محتمل سينعكس مباشرة على لبنان، وأن من غير الحكمة إقفال قنوات التواصل مع طهران في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. أما الثانية فداخلية ودينية، إذ تمثل إيران، في نظر شريحة كبيرة من اللبنانيين الشيعة، مرجعية تتجاوز حدود السياسة إلى الرمز الديني والعقائدي.

لذلك، يرى بري أن الملف يحتاج إلى معالجة هادئة وذكية، لا إلى استعراضات سياسية أو تحديات متبادلة. إلا أن مصادر سياسية مقابلة تطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا يصرّ شيباني على البقاء في دولة رفضت اعتماده رسمياً وأعلنت أنها لا ترغب في وجوده بصفته الدبلوماسية؟

 

حارة حريك: لا استقالة ولا تفجير للحكومة

في حارة حريك، لا يُنظر إلى قضية شيباني بوصفها مسألة إدارية محصورة بوزارة الخارجية. فمصادر في حزب الله تقول لـ"المدن" إن الملف معقد، وإن الوصول إلى حل سريع ليس سهلاً، لأن المشكلة ترتبط بموقف رجّي السياسي والشخصي، لا بمجرد العثور على صيغة إجرائية لتمديد الإقامة.

وتلفت المصادر إلى أن القضية قد تترك انعكاسات على وضع الحكومة ككل، ولا سيما إذا تحولت إلى مواجهة مباشرة بين وزير الخارجية وحزب الله أو طهران. وقد تحدث "رجّة" سياسية داخل الحكومة. لكن الحزب لا يريد، بحسب المصادر، الذهاب إلى خيار الاستقالة أو تفجير مجلس الوزراء. كما لا يبدو راغباً في منح خصومه فرصة لتحويل المسألة إلى مواجهة عنوانها إسقاط الحكومة أو تعطيل المؤسسات.

ويسعى حزب الله، بالتنسيق مع بري، إلى معالجة الملف عبر المؤسسات والرئاسات، مع الإصرار على عدم التعامل مع شيباني بطريقة يعتبرها الحزب مسيئة لإيران أو لدورها الإقليمي. وفي الوقت نفسه، يدرك الحزب أن ممارسة ضغط علني لإبقاء شيباني قد تعزز حجج المطالبين بتأكيد استقلالية القرار اللبناني عن طهران.

 

المسارات القانونية المتاحة

في الجانب الإجرائي، تقول معلومات "المدن" إن شيباني يحمل جواز سفر دبلوماسياً، ما يعني أن أي طلب لتمديد إقامته بهذه الصفة يجب أن يمر عبر وزارة الخارجية. وتتولى الوزارة، في حال موافقتها، إحالة الطلب إلى الأمن العام لاتخاذ الإجراءات اللازمة. أما إذا امتنعت الخارجية عن إحالته، فلا يستطيع الأمن العام منفرداً تجديد الإقامة الدبلوماسية.

وهنا تكمن العقدة الأولى، إذ إن موقف رجّي المعلن يجعل تمرير طلب من هذا النوع شبه مستحيل، لأنه سيبدو مناقضاً لقراره السابق ولتأكيده أن شيباني لم يعد يتمتع بأي غطاء دبلوماسي يتيح له البقاء.

أما المسار الثاني، فيقوم على استخدام شيباني جواز سفر عادياً غير دبلوماسي، والتقدم مباشرة إلى الأمن العام بطلب إقامة بصفته مواطناً إيرانياً، شأنه شأن أي أجنبي مقيم في لبنان. ووفق المعلومات، لا يتضمن سجله أي مخالفات أو ملاحقات أمنية أو قضائية تحول، من الناحية الإجرائية، دون منحه إقامة عادية.

لكن الأمن العام لم يتسلّم حتى الآن أي طلب من هذا النوع. كما أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوافر الشروط الإدارية، بل بما إذا كان قرار اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه يمنع بقاءه على الأراضي اللبنانية بأي صفة، أم أن القرار يقتصر على صفته الدبلوماسية. وهذه النقطة تحديداً قد تتحول إلى مادة لخلاف قانوني وسياسي بين الخارجية والجهات الساعية إلى إيجاد مخرج.

فحتى إذا حصل شيباني على إقامة عادية، لن يكون مخولاً ممارسة أي نشاط دبلوماسي، أو التصرف بصفته سفيراً أو ممثلاً رسمياً لطهران. وأي استمرار في المشاركة بالمناسبات أو إجراء اللقاءات السياسية قد يُعتبر خرقاً لمضمون التسوية، ويعيد الأزمة إلى نقطة البداية.

 

صيغة "المبعوث الإيراني"

إلى جانب خيار الإقامة العادية، يجري التداول بصيغة أخرى تقضي بتصنيف شيباني مبعوثاً إيرانياً إلى لبنان وسوريا، بدلاً من اعتماده سفيراً مقيماً لدى لبنان. ويُفترض أن تسمح هذه الصيغة بإبقائه في المنطقة ومنحه غطاءً سياسياً، من دون إجبار لبنان على قبول أوراق اعتماده سفيراً.

وتفيد المعلومات بأن اتصالات تجري بين بعبدا وعين التينة وحارة حريك للبحث في إمكان اعتماد هذا المخرج، أو الوصول إلى صيغة مشابهة تُبعد شبح المواجهة المباشرة. إلا أن نجاحها يحتاج إلى موافقة وزارة الخارجية، أو على الأقل إلى تسوية قانونية لا تظهر وكأنها تجاوز لصلاحياتها.

كما أن صفة "المبعوث" لا تمنح صاحبها تلقائياً حق الإقامة أو الحصانة الدبلوماسية، ما يعني أن الحل سيبقى بحاجة إلى غطاء إداري وقانوني واضح. ومن دون هذا الغطاء، قد تتحول الصيغة إلى مجرد عنوان سياسي لا يحل مشكلة التأشيرة.

 

أبعد من إقامة شخص

لا تقتصر العقدة على نوع جواز السفر أو الجهة التي ستتولى تقديم طلب الإقامة. فجوهر المشكلة يعود إلى أن السلطة اللبنانية رفضت اعتماد شيباني، وصنّفته شخصاً غير مرغوب فيه، وطلبت إليه مغادرة البلاد خلال مهلة محددة. إلا أن الجانب الإيراني لم يتجاوب مع القرار، فيما بقي شيباني داخل مقر السفارة واستمر في التحرك والمشاركة في المناسبات.

وقد اعتبرت أوساط سياسية هذا السلوك تحدياً مباشراً للدولة اللبنانية ومحاولة لفرض أمر واقع، بينما رأت جهات أخرى أن بقاءه جاء في ظل اتصالات سياسية ومساعٍ كانت تهدف منذ البداية إلى معالجة الخلاف ومنع تطوره.

ومن هنا، فإن أي قرار بتمديد إقامته، ولو بجواز سفر عادي، لن يُقرأ باعتباره إجراءً إدارياً بسيطاً. بل سيُطرح السؤال عما إذا كانت الدولة قد تراجعت عن قرارها تحت الضغط، وما إذا كان بالإمكان الفصل فعلياً بين شيباني المواطن الإيراني وشيباني المبعوث الذي رشحته طهران لتمثيلها في لبنان.

 

اختبار الإثنين

مع حلول الإثنين، ستكون السلطات اللبنانية أمام اختبار يصعب تأجيله مرة أخرى: إما التمسك برفض التجديد ومطالبة شيباني بالمغادرة، بما يحمله ذلك من احتمال تصعيد دبلوماسي مع إيران وتوتر سياسي داخلي؛ وإما السماح له بالبقاء بإقامة عادية أو بصفة سياسية مستحدثة، مع ما قد يثيره هذا الخيار من اتهامات بالالتفاف على قرار الدولة.

أما ترحيل الأزمة من مهلة إلى أخرى، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجها بصورة أكثر تعقيداً. فالقضية لم تعد مرتبطة بمصير دبلوماسي واحد، بل أصبحت اختباراً لحدود صلاحيات المؤسسات اللبنانية، ولقدرة بعبدا وعين التينة وحارة حريك على التوصل إلى تسوية، وللمدى الذي يمكن أن تذهب إليه وزارة الخارجية في الدفاع عن قرارها.

ويبقى السؤال حتى الرابع والعشرين من آب: هل ينجح الوسطاء في ابتكار صيغة تحفظ ماء وجه الدولة وطهران معاً، أم يتحول انتهاء تأشيرة شيباني إلى بداية فصل جديد من المواجهة اللبنانية–الإيرانية؟