صندوق النقد الدولي ينتقد بشدة إدارة المالية العامة في لبنان: الجمارك والضرائب في قلب الأزمة

عاد ملف إصلاح الجمارك والإدارة الضريبية في لبنان، أحد أكثر ملفات المالية العامة حساسية، إلى واجهة الاهتمام الدولي، في ظل تشديد المؤسسات المالية والجهات المانحة على ضرورة معالجة الاختلالات البنيوية التي تقوّض إيرادات الدولة وتضعف الثقة الدولية بلبنان.

وفي هذا السياق، عقد وزير المالية ياسين جابر الأسبوع الماضي اجتماعًا موسعًا مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي في لبنان لبحث مسار إصلاح الجمارك وآليات الدعم التقني والمالي الممكنة. كما جرى التداول بإمكانية توقيع عقود تنفيذية خلال الأشهر المقبلة بعد استكمال مرحلة التقييم الميداني.

ورغم أن لبنان تلقّى خلال العقد الأخير مساعدات تقنية وبرامج دعم تُقدَّر بين 300 و500 مليون دولار لإصلاح وزارة المالية والجمارك والإدارة الضريبية، إلا أن المؤسسات الدولية تعتبر أن الإصلاحات بقيت بطيئة ومجزأة وغير كافية.

تقرير قاسٍ لصندوق النقد

في هذا الإطار، سلّم صندوق النقد الدولي قبل أشهر السلطات اللبنانية تقريرًا داخليًا حول الحوكمة والفساد في لبنان، اطلعت عليه «لوريان لو جور». ويقدّم التقرير تشخيصًا شديد اللهجة لأداء الإدارة الضريبية والجمارك، متحدثًا عن:

هياكل إدارية متقادمة،
تدخلات سياسية مزمنة،
مخاطر فساد مستمرة،
ضعف الرقابة،
وغياب شبه كامل لآليات المحاسبة.
إدارة ضريبية مفككة وضعيفة

ينتقد التقرير أولًا البنية التنظيمية للإدارة الضريبية، معتبرًا أن ضعف استقلاليتها أدى إلى اختلالات خطيرة وبيئة مؤاتية للفساد.

ويشير إلى أن عمل الإدارة عبر مديريتين منفصلتين – واحدة للضريبة على القيمة المضافة وأخرى للإيرادات – تسبب بازدواجية إدارية وتقنية شملت الأنظمة المعلوماتية وقواعد البيانات وإجراءات الرقابة، ما أدى إلى صعوبة في توحيد الإيرادات وتقويض فعالية متابعة المكلفين.

كما يرى الصندوق أن القرارات التشغيلية يجب أن تكون أكثر تحصينًا من التدخلات الخارجية، في ظل استمرار التأثيرات السياسية والإدارية على سير العمل.

غياب التدقيق الداخلي

ومن أبرز الثغرات التي يرصدها التقرير غياب جهاز تدقيق داخلي مستقل وفعّال داخل الإدارات المعنية. فالرقابة الحالية تقتصر على مراجعات ظرفية تخضع مباشرة للتسلسل الإداري، من دون استقلالية منهجية أو خطط رقابية منتظمة.

ويضيف التقرير أن جهود مكافحة الفساد تعاني بدورها من ضعف شديد، بسبب غياب قواعد بيانات موحدة حول النزاهة وعدم وجود تنسيق فعلي بين أجهزة الرقابة المختلفة، ما يمنع تكوين صورة شاملة عن حجم المخالفات والمخاطر.


أما مدونات السلوك المهني وأنظمة الامتثال، فتبقى محدودة التأثير وغير ملزمة عمليًا، رغم أن هذه المسألة أصبحت أساسية بالنسبة للجهات المانحة الدولية.

تعطيل أجهزة الرقابة

ورغم امتلاك أجهزة الرقابة الخارجية، مثل ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، صلاحيات قانونية واسعة، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة بسبب نقص الموارد والإمكانات.
ويكشف التقرير أن وزارة المالية لم تُرسل منذ الأول من كانون الثاني 2019 أي بيانات مالية من المؤسسات العامة، بما فيها الإدارة الضريبية، إلى ديوان المحاسبة، ما يمنع الديوان من إجراء تدقيق فعلي في الأداء المالي.

كما يلفت إلى أن برنامج التفتيش المركزي السنوي لم يتضمن حتى الآن أي نشاط رقابي خاص بالإدارة الضريبية، فيما تغيب الشفافية حول عدد الشكاوى التي نظرت فيها الهيئات التأديبية أو نتائجها.


الجمارك: شلل سياسي وإداري


أما في ما يتعلق بالجمارك، فيصف التقرير الوضع بأنه لا يقل خطورة، مشيرًا إلى أن نظام المحاصصة السياسية والطائفية داخل الإدارة الجمركية يعرقل اتخاذ القرارات ويشلّ آليات المحاسبة.


ويشرح أن العديد من القرارات يتطلب موافقة أعضاء المجلس الأعلى للجمارك والمدير العام للجمارك معًا، من دون تحديد مهلة زمنية ملزمة، ما يؤدي عمليًا إلى تعطيل الملفات.


كما يشير التقرير إلى غياب جهاز داخلي فعّال للتحقيق في المخالفات أو فرض العقوبات، بحيث تُحال الملفات إلى أجهزة رقابية خارجية من دون ضمان متابعتها أو البت بها.


إجراءات تأديبية ضعيفة وفساد محتمل

ويرى صندوق النقد أن النظام التأديبي داخل الجمارك يعاني من ضعف بنيوي، إذ إن مدونة السلوك لا تتضمن عقوبات واضحة عند مخالفة القواعد الأخلاقية، فيما تبقى الإجراءات التأديبية معقدة ونادرًا ما تُطبَّق.


أما التصريح عن الممتلكات، فلا يخضع لرقابة فعلية أو متابعة منتظمة، إضافة إلى أن التصريح يتم كل ثلاث سنوات بدلًا من اعتماده سنويًا.
إجراءات يدوية وخسائر جمركية


ويؤكد التقرير أن العمليات الجمركية في لبنان لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الإجراءات اليدوية، رغم محاولات التحديث، ما يزيد من مخاطر الفساد والتهريب والتلاعب في المعاملات التجارية.
ورغم استخدام نظام ASYCUDA World الإلكتروني لمعالجة التصاريح الجمركية، لا تتوافر بيانات موحدة تسمح بتقييم فعاليته أو مدى دمجه الفعلي في العمل اليومي.


كما يشير الصندوق إلى أن لبنان يخسر إيرادات جمركية كبيرة بسبب التهريب، في ظل ضعف الإمكانات البشرية والتقنية، وغياب التنسيق الكافي بين الأجهزة الأمنية والرقابية.


اختبار حاسم للدولة اللبنانية


ويعتبر صندوق النقد أن معالجة هذه الثغرات لم تعد خيارًا بل أولوية ملحّة، خصوصًا بعدما فشلت استراتيجية إصلاح الجمارك التي وُضعت عام 2018 في الدخول حيّز التنفيذ.


ويقول دبلوماسي أجنبي إن أي اتفاق مع صندوق النقد «لن يكون ممكنًا من دون إصلاح جذري للإدارة المالية والضريبية والجمركية»، معتبرًا أن هذا الملف لا يقل أهمية عن إصلاح القطاع المصرفي.
وفي ظل تزايد تشدد الجهات المانحة، تبدو إعادة إطلاق ورشة الإصلاح الجمركي اختبارًا جديدًا لمدى استعداد السلطة السياسية اللبنانية للتخلي عن منظومة تستفيد منذ سنوات من الثغرات التي تغذي الفساد وتبدد الإيرادات العامة وتقوض ثقة المجتمع الدولي بلبنان.