"طبخة" واشنطن الدبلوماسية.. هل ينجح "إعلان النوايا" في نزع فتيل الجنوب اللبناني؟

كشفت مصادر غربية ،عن أن الجانبين اللبناني والإسرائيلي يعملان على صياغة إعلان نوايا في نهاية جولة المفاوضات الخامسة الجارية حالياً في واشنطن، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ووضع إطار سياسي وأمني ينهي التصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية

وتأتي الجولة التفاوضية المكثفة التي بدأت بالأمس وتستمر حتى الخامس والعشرين من يونيو/حزيران الجاري بمتابعة مباشرة من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حيث عقد الوفدان لقاءً مشتركاً في مقر الوزارة، أعقبته اجتماعات منفصلة للوفدين السياسي والعسكري لتفكيك الملفات المعقدة وصياغة المسودة النهائية للإعلان المتوقع صدوره رسمياً في ختام الجولة.

وأوضحت المصادر الغربية في تصريح لـ"إرم نيوز" أن المعلومات المسربة تُظهر أن إعلان النوايا اللبناني الاسرائيلي المرتقب، يرتكز على مسارات متوازية تبدأ بالالتزام الفوري والمتبادل بوقف كامل وشامل لكافة العمليات العدائية والهجومية .

ويتزامن الحديث عن وقف العمليات العدائية بين البلدين مع معلومات عن بدء تراجع تدريجي ومشروط للقوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها في لبنان، وربط هذا الانسحاب الميداني بالترتيبات الأمنية المستجدة.

وبحسب المصادر الغربية ، فإن إعلان النوايا يركز على تأسيس منطقة أمنية عازلة عبر إخلاء كامل لعناصر حزب الله وكافة التشكيلات المسلحة وسلاحها من منطقة جنوب نهر الليطاني، على أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة الحصرية والكاملة على الأرض عبر انتشار تجريبي في مناطق جنوبية محددة كمرحلة أولى، بما يضمن حصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة اللبنانية وحدها ومنع دخول أي إمدادات عسكرية غير شرعية.

ولضمان ديمومة هذه التفاهمات، يتضمن الإعلان تشكيل آلية مراقبة دولية جديدة ولجنة رقابة ومحدثة برئاسة وإشراف أمريكي مباشر لمنع أي خروقات ميدانية مستقبلاً.

وفي القراءات السياسية لهذه التطورات، تتباين مواقف الخبراء والمحللين حول جدوى هذا الإعلان ومستقبل تطبيقه على أرض الواقع.

 حيث يرى المحلل السياسي اللبناني طانيوس صبري الحاج، أن التوصل إلى "إعلان النوايا" في واشنطن يعكس تحولاً بنيوياً واضحاً وجذرياً في التوجهات السياسية للدولة اللبنانية.

وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن القبول بالجلوس على طاولة مفاوضات مباشرة والالتزام ببنود أمنية برعاية أمريكية يمثل توجهاً رسمياً نحو الدخول في مسار سياسي جديد ومختلف تماماً عن الحقبة الماضية.

وقال الحاج إن من شأن ذلك أن يمهد الطريق خطوة بخطوة للوصول في نهاية المطاف إلى تفاهم دائم ينهي حالة الحرب مع إسرائيل في حال التزم الجانب الإسرائيلي بما يتم الاتفاق عليه.

في المقابل، يقدم المحلل السياسي نعمان أبو ردن، قراءة مغايرة وأكثر تشاؤماً، حيث يعتقد أن هذا الاتفاق يفرض أشكالاً غير مباشرة من التنسيق الأمني والتطبيع الذي ترفضه فئات واسعة في لبنان.

 ويرى أبو ردن في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن إعلان النوايا المنوي إصداره ولد ميتاً عملياً لأنه يتجاوز الواقع الميداني الحقيقي، مؤكداً أن غياب آليات التنفيذ الواضحة سيؤدي حتماً إلى انهيار التفاهمات وعودة التصعيد العسكري إلى الواجهة سريعاً.

وأشار مجدداً، إلى أن الفجوة عميقة وكبيرة بين المسار التفاوضي الدبلوماسي الجاري في واشنطن والواقع الميداني الملتهب في الجنوب اللبناني.

 وأوضح، أن استمرار الاعتداءات والغارات الإسرائيلية المتواصلة على مناطق الجنوب اللبناني، إلى جانب غياب بيئة آمنة وحقيقية لتطبيق الانتشار الحصري للجيش اللبناني، يبقى الاتفاق برمته رهينة التوافقات الإقليمية الأوسع.

وإلى جانب هذه الآراء، تواجه المفاوضات الجارية في العاصمة الأمريكية جملة من التحديات المعقدة والسيناريوهات الصعبة التي قد تحول "إعلان النوايا"من وثيقة سياسية طموحة إلى مجرد حبر على ورق.

ويبرز في مقدمة هذه العوائق الموقف الرافض لحزب الله، حيث أعلن الأمين العام للحزب نعيم قاسم رفضه القاطع لنتائج هذه المفاوضات، ومعتبراً أن ربط وقف إطلاق النار بنزع سلاح الحزب يمثل استسلاماً تاماً .

علاوة على ذلك، يواجه الجيش اللبناني تحديات لوجستية ومالية هائلة تحجم قدرته على الانتشار السريع والكامل لفرض سيطرته الحصرية ومنع أي مظاهر مسلحة غير شرعية جنوب الليطاني دون غطاء سياسي داخلي شامل.

 كما يتخوف الجانب اللبناني من استغلال إسرائيل لبنود الإعلان للاستمرار في عملياتها العسكرية تحت ذريعة الدفاع عن النفس أو خرق الطرف الآخر للاتفاق، وهو ما يضع آلية المراقبة الأمريكية المقترحة تحت اختبار حقيقي وصعب .

وتظل الأيام القليلة المقبلة حتى تاريخ 25 يونيو/حزيران كفيلة بتوضيح ما إذا كانت صياغة هذا الإعلان ستفتح الباب لترتيبات أمنية مستدامة، أم أنها مجرد جولة تفاوضية أخرى تضاف إلى سجل الصراع الطويل.