عائلات ألغت الكماليات من قاموسها: شهادات حيّة تعكس عمق المأساة

لم تعد ميزانيّة العائلة اللبنانية مجرّد أرقام تُدوَّن على ورقة أو تُقسَّم بين بنود ثابتة، بل تحوّلت إلى همّ يومي يُرافق الأسرة منذ مطلع كل شهر. ففي ظلّ أزمة اقتصادية خانقة، وارتفاع متواصل في كلفة المعيشة، باتت القدرة على التخطيط المالي شبه معدومة، وحلّ مكانها منطق التدبير الآني ومحاولة الصمود حتى نهاية الشهر.

مع تآكل الرواتب وتراجع القدرة الشرائيّة، تجد معظم العائلات نفسها أمام واقع قاسٍ: دخل لا يكفي، وأسعار لا تتوقف عن الارتفاع. فالمعادلة باتت واضحة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين: مهما حَسبوا ووفروا، تبقى الميزانية ناقصة، وتبقى الحاجات أكبر من الإمكانات المتاحة.

أمام هذا الواقع، اضطرّت الأسر إلى إعادة صياغة أولوياتها المعيشية، فصار الضروري يسبق كل شيء، فيما أُقصيت الكماليات، بل وأُعيد النظر حتى في بعض الأساسيات. ولم يعد القرار المالي فرديًا أو عابرًا، بل تحوّل إلى نقاش دائم داخل كل بيت، تشارك فيه العائلة بكاملها، من الأهل إلى الأولاد.

لسان حال أغلبية اللبنانيين اليوم، تختصر المشهد: "نُدبّر يومًا بيوم، ولا نعرف ماذا يحمل الغد". بيْن غياب الاستقرار الاقتصادي وتقلّب السياسات المالية، باتت ميزانية العائلة انعكاسًا مباشرًا لأزمة وطن بأكمله، حيث لم يعد التدبير خيارًا، بل ضرورة مفروضة على كل بيت".

لكن خلف الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، يبرز الواقع اليومي للعائلات اللبنانية كمرآة حقيقية للأزمة. إدارة الميزانية لم تعد مفهومًا نظريًا أو قرارًا إداريًا داخل الأسرة، بل تجربة معيشة تتكرّر في كل بيت، بأشكال متشابهة وإن اختلفت التفاصيل. ولأن السياسات العامة تُقاس بوقعها على حياة الناس، تبقى شهادات العائلات المدخل الأصدق لفهم عمق الأزمة وحدود قدرة الأسر على التكيّف.

 

شهادات من الواقع 

في ما يلي، تنقل شهادات عائلات من مناطق وخلفيات اجتماعية مختلفة صورة حيّة عن كيفية تدبير الميزانية الشهرية، وعن الخيارات الصعبة التي باتت تُفرض على الأسر بين الضروري والممكن، في ظلّ واقع اقتصادي يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

أم سمير (ربة منزل):

"أول ما نقبض الراتب، منقسّمه عالضروري: أكل، كهربا، ومدرسة. ما بقى في مجال نخطّط لبكرا، كل شي محسوب بالأيام. وإذا طلع شي طارئ، منضطرّ نقص من شي أساسي".

عمر (موظف في القطاع الخاص):

"صرنا نعيش على فكرة الأولويات. ما في شي اسمه كماليات. حتى الطبخة صارت محسوبة، ومنلف أكتر من محل لنوفر فرق بسيط، بس بالنهاية الشهر دايمًا صعب".

ندى (أم لطفلين):

"أكتر ضغط علينا هو التعليم. نحاول نكمّل بلا ما نحسّس ولادنا بالضيق، بس الحقيقة إنو المدرسة بتاخد جزء كبير من الميزانية".

ماجد (أب لثلاثة أولاد):

"ميزانيتنا صارت متحرّكة، ما في رقم ثابت. الأسعار تتغيّر كل وقت، ونعيش بحذر دائم لأن أي زيادة صغيرة ممكن تخلّي الشهر ينهار".

فاطمة (أم لخمسة أولاد – دخل محدود جدًا):

"دخلنا بالكاد يكفي الأساسيات. نعيش يومًا بيوم، وأحيانًا منأجّل شراء أشياء ضرورية لنقدر نكمّل الشهر. التدبير صار معركة يومية".

ريما (طالبة جامعية):

“صرنا نشارك كلنا بالأعباء. خففت مصروفي، وبفكّر كتير قبل ما أطلب شي. التعاون بالبيت صار ضرورة مش خيار".

 

مظهر العائلة مقابل الواقع

لكن هذه الشهادات، على قسوتها، لا تختصر كامل المشهد اللبناني.

رغم ضيق الوضع الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، لا تزال بعض الفئات في المجتمع اللبناني تحرص على الحفاظ على مظهرها ونمط عيشها الخارجي، ولو بالحدّ الأدنى. فالمظهر، بالنسبة لكثيرين، لا يُعدّ ترفًا بقدر ما هو تعبير عن الكرامة الشخصية ومحاولة للتماسك في وجه الانهيار.

ولا يُمكن قراءة هذا السلوك فقط من زاوية الاستهلاك أو الإنكار، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لطبيعة اجتماعية وثقافية متجذرة، حيث يشكّل الاهتمام بالمظهر جزءًا من الهوية اللبنانية، ووسيلة غير معلنة لمقاومة الإحساس بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن هذه المفارقة تحمل في طيّاتها ضغطًا إضافيًا على الميزانية الأسرية، إذ يتحوّل الحفاظ على الصورة الخارجية إلى عبء صامت، يُدار عبر اقتطاع غير مرئي من بنود أساسية داخل المنزل. وهنا تتجلّى أحد أكثر تناقضات الأزمة حدّة: عائلات تُقنن في الداخل، لتبقى متماسكة في الخارج.

في المحصّلة، لم تعد ميزانية العائلة اللبنانية مجرّد مسألة تنظيم مالي، بل مرآة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها البلد. فبين دخلٍ يتآكل، وأسعارٍ تتبدّل بلا ضوابط، وسياساتٍ عاجزة عن ملامسة الواقع، تُترك الأسر لتدير يومها بأدوات محدودة وخيارات مؤلمة.

ورغم كل محاولات التكيّف والصمود، يبقى هذا الواقع هشًا وغير قابل للاستمرار. فالتدبير الفردي، مهما بلغ من وعي وحكمة، لا يمكن أن يحلّ مكان السياسات العامة العادلة، ولا أن يعوّض غياب الرؤية الاقتصادية التي تضع الاستقرار المعيشي في صلب أولوياتها.

إلى أن تتحوّل الوعود إلى أفعال، ستبقى العائلة اللبنانية تشدّ الأحزمة، تُعيد ترتيب أولوياتها شهرًا بعد شهر، وتحاول الحفاظ على كرامتها في الداخل ومظهر تماسكها في الخارج. لكن السؤال الواقعي الذي يفرض نفسه يبقى: إلى متى يمكن لهذا التوازن الهش أن يصمد من دون تدخل فعلي يعيد الحدّ الأدنى من الأمان المعيشي؟