عرقلة التفاوض تخدم إسرائيل وإيران

وهكذا، فرض "حزب إيران/ حزب الله" حربه على لبنان واللبنانيين. ليس هناك فراغ رئاسي كما في 2023- 2024، ولا حكومة خاضعة كلياً لإرادته كتلك السابقة، ولا "خطاب قسم" و"بيان حكومة" يؤكّد احتكار الدولة السلاح وقرار الحرب والسلم، ولا قرارات حكومية في شأن "حصر السلاح"... ومع ذلك، برهن "الحرس الثوري" الإيراني وفرعه "الحزب" (اللبناني؟) أنهما يعرفان الأرض ويتحكّمان بها أكثر مما تفعل الدولة، يديران اللعبة معتمدَين على ما تريده إسرائيل لا ما يريده لبنان، ويقيمان مع العدو "مفاوضات" نارية يومية موقنَين بأن العدو يحسمها بمزيد من الاحتلال، لكنهما يراهنان على أن هذا الاحتلال يمدّ بعمر مغامرتهما، كما فعلا بالتقاء "موضوعي" مع العدو منذ 2002 حتى الآن.

أغرق "الحرس" و"الحزب"، كذلك إسرائيل، الدولة في جدل بيزنطي (انسحاب الاحتلال أولاً ثم نزع السلاح، أو العكس...) لا غاية له سوى إدامة المواجهة لإدامة "المقاومة"، في انتظار "المعركة الكبرى" التي كانت إيران تطمح الى خوضها بواسطة ميليشياتها، لتبقى هي في أوج قوّتها، ومن دون أن تكون أراضيها تحت القصف كما هي الآن.

انتقل شعار "المعركة الكبرى" الى التحالف الأميركي- الإسرائيلي الذي يتطلّع الى هزيمة إيران و"وكلائها" في آن. لم يجد نظام الملالي وسيلة دفاعية غير الهجوم على دول الخليج العربية، مستحضراً أحقاد الماضي وناسفاً جسور المستقبل، أصبح النظام متخبطاً بين وهم أنه سيخرج منتصراً ليعود فيقود المنطقة، وبين ادراكه في عمقه أنه لم يعد له مستقبل، فقد هُزم وإنْ لم يرضخ لمطالبة ترامب بأن يستسلم. وإذا كان هذا النظام طرح نموذج أوهام يستحق أن يزول، فلا يوازيه سوى غطرسة التوأم (ترامب- نتنياهو) الذي يدير نموذجاً تدميرياً لا يثير حول العالم سوى الاشمئزاز والتوجس من أهدافه.

كما تحايل ترامب على إيران بالمفاوضات كخدعة حرب كانت مبرمجة، كذلك احتال قادة "حزب إيران/ حزب الله" على أركان الدولة اللبنانية عندما أبلغوا رئيس الجمهورية، قبل بدء الحرب، صيغة فُهم منها أن "الحزب" لن يشارك في الحرب إذا وقعت، على رغم أن أمينه العام كان يقول عكس ذلك في أشرطته المسجّلة. قادة "الحزب" اختاروا خداع الدولة، وقد خدعوا أيضا رئيس حركة "أمل" الذي كان يؤكد أن الحرب مستبعدة، ثم تبخّرت تأكيداته مع إطلاق الصواريخ. ومع أن اشتعال الحرب فرض ظروفاً جديدة ينبغي أن تتعامل معها الدولة بما لديها من وسائل، إلا أن طرفي "الثنائي" اللذين أوحيا بالتباعد حول الحرب عادا إلى المربع الأول الذي يفسد كل تفاوض ولا يعزز سوى الخيار الإيراني: الحرب.  

لا بد أن مهندسي اتفاق وقف الأعمال العدائية (تشرين الثاني 2024) أدركوا أن "حرب إسناد إيران" الحالية أسقطت ذلك الاتفاق، بعدما كانت أميركا وإسرائيل أسقطتا "الميكانيزم" الذي يتمسّك رئيس "أمل" بالتفاوض من خلاله. لو كان ذلك ممكناً لما طرح رئيس الجمهورية مبادرة التفاوض السياسي المباشر ولما اشترط لعقده أن يتوقف إطلاق النار من الجانبين، ثم أإنه لم يشر تصريحاً أو تلميحاً إلى "الاعتراف بإسرائيل"، كما طرحته فرنسا. كان هدفه واضحاً، وهو وقف حرب متهورة أشعلها "الحرس" و"الحزب"، فالدولة لا تعمل عند إيران ولا عند إسرائيل، وعليها أن تطرق كل باب لتجنيب لبنان واللبنانيين المزيد من الضحايا والخسائر. أما عرقلة الوفد المفاوض بذريعة تركيبته الطائفية فتخدم إسرائيل وإيران اللتين تريدان استمرار الحرب، عدا أنها تافهة ومقزّزة بالنظر الى تداعيات الحرب داخلياً.