عشية "طاولة روما 1" و"قمة واشنطن": هل من خطوات أميركية إيجابية ومطمئنة؟

قبل أيام على "طاولة روما 1" الخاصة بالمفاوضات المباشرة اللبنانية - الاسرائيلية بالرعاية الاميركية  بديلا  من "طاولة واشنطن 6"، تقلص هامش المناورة امام مختلف الاطراف المعنيين بكل ما انتهت اليه هذه المفاوضات، وتلك التي تدافع بكل قوة عن "اتفاق الاطار" الذي انتهت اليه طاولة واشنطن في 26 حزيران الماضي، كما بالنسبة الى اولئك المتوجسين من النتائج التي تحققت على مسار واشنطن بالمطلق في المواجهة المفتوحة مع مسار "إسلام آباد" الخاص بالمفاوضات الاميركية – الايرانية برعاية من مجموعة الـ (4+1) المتمثلة بالرباعي الباكستاني – المصري – التركي  - السعودي بالإضافة الى دولة قطر.

وليس خافيا على أحد، ان لهذه المواجهة وجوها اخرى ابرزها يتجسد في السباق القائم على جميع المسارات في وقت واحد، بين الخيارات الديبلوماسية والعسكرية على خلفية استخدام المتصارعين لمختلف قواهم العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية التي جندت لمواجهة قاسية غير مسبوقة في التاريخ الحديث. وهي عملية ما زالت قائمة، بما لها من ترددات خطيرة ما لم ينتهِ هذا السباق لمصلحة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم على خلفية السعي المعلن عنه لإنهاء الصراعات الدموية وما انتهت اليه من نكبات وكوارث أدانها العالم نتيجة استخدام القوة المفرطة في ساحات المعارك وما جنته من ضحايا مدنيين. وهي مواجهة مخاطر تهدد باستمرار الحرب المستمرة بكل فصولها منذ ثلاث سنوات بشكل متقطع.

على هذه الخلفيات، وما يمكن ان تقود إليه في المرحلة المقبلة، توقفت مراجع سياسية وديبلوماسية في حديثها إلى "المركزية" أمام التحضيرات الجارية قبل أيام قليلة على عقد "طاولة روما الاولى" وما قامت به الاطراف المعنية تحت سقف ما انتهى إليه "اتفاق الإطار" بشكل خاص، بعدما رسم خريطة طريق الى ما يمكن ان تتخذ من خطوات لترجمة بنوده تمهيدا لإنهاء الاحتلال وامساك الجيش والقوى الامنية الشرعية بالمناطق المحررة، ومنع اي مظهر من مظاهر السلاح غير الشرعي وإطلاق الاسرى، وما يتوفر من معطيات للبدء بعملية الإعمار والانماء وتوفير كلفتها الباهظة التي تتجاوز قدرات اللبنانيين بأشواط بعيدة من قبل المجتمع الدولي والحكومات والمؤسسات المانحة.

انطلاقا مما تقدم، رأت المراجع عينها أنها أبدت تفهما لمجموعة من الملاحظات التي صدرت بعد الكشف عن اتفاق الإطار والملحق الامني، وان منها ما هو مبرر على عكس البعض الآخر الذي لا يمكن قراءته سوى على الخلفيات السياسية التي فرز من حولها اللبنانيون.  وقالت ان الجواب على المقبول منها والمرفوض يستدعي العودة الى أول تفسير للاتفاق الذي قدمه السفير الاميركي في بيروت ميشال عيسى بعد لقائه رئيس الجمهورية، فور عودته الى بيروت صباح يوم الخميس الماضي، قبل ان يجول على كل من رئيسي مجلس النواب والحكومة متوسعا في شرح الرؤية الأميركية التي دفعت بلاده الى رعاية هذا الاتفاق وما قصدته من خطوات لا بد منها لانهاء الحرب في لبنان وفق رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي عبر في أكثر من مناسبة عن حجم اهتمامه بملف لبنان.

وعليه، فقد جاءت مواقف عيسى بشأن اتفاق الإطار بالإضافة إلى ما كشفه عن أهمية القمة بين الرئيسين ترامب وعون في 21 الجاري، فهو من أنهى الجدل حول الكثير مما تم الاتفاق بشأنه لمن اراد تفهم حجم الخطوات واهميتها بعيدا عن النظرة الايديولوجية التي لا تزال تتنكر للنكبة الناجمة عن الهزيمة التي لحقت بلبنان، وضرورة إنهاء الحرب وتوفير ما يمكن ان تقود اليه عمليات عسكرية اضافية. ولا سيما لجهة ترجمة كل بند من بنوده بدءا بالمستعجل منها والمتصل بالإجراءات الميدانية تنفيذا لمشروع "المناطق التجريبية" التي تم التوصل إليها. وبعدها ما يليها من الخطوات الأخرى المطروحة. وخصوصا ان معظمها لم يحدد بأي مهلة او جدول زمني لأي منها، في انتظار الجولات المقبلة من المفاوضات واولاها الجولة المقررة في روما منتصف الاسبوع الجاري.

وان عاد الجميع الى تصريحات السفير عيسى، فإن ما هو منتظر من "طاولة روما"، بالغ الدقة والاهمية ذلك انها من بوابة موعدها في 15 و16 تموز الجاري، تشكل إحدى أهم المحطات الممهدة لتركيب جدول أعمال القمة اللبنانية – الاميركية، وهي ستخصص لاستئناف البحث في أمور "ذات طابع تنظيمي وتنفيذي لما ورد في صيغة الإطار لاسيما لجهة تشكيل فرق عمل متخصصة تتولى تنفيذ ما اتفق عليه في واشنطن من ترتيبات قد تحتاج إلى اختصاصيين قانونيين او تقنيين تبعا للمواضيع المطروحة". وهي عملية تحتمل الترقب والحذر، ذلك ان تجاوب الجانبين الاميركي والاسرائيلي مع طروحات الوفد اللبناني من شأنه ان يعزز موقعه على الساحة الداخلية ، ولا سيما ان هذه المفاوضات يمكن ان تؤدي الى مواعيد تلبي مطالب اللبنانيين وتنهي هواجسهم تجاه كل التفسيرات "الخنفشارية"، وتنهي الكثير من الملاحظات ولا سيما لدى من ايد المفاوضات المباشرة وكانت له ملاحظات على بنود الاتفاق الإطاري، ليس لسبب سوى لغموضها ولم ينتظر عند تسجيل ملاحظاته السلبية ما يمكن ان تقود إليه المفاوضات المقبلة.

والى هذه الملاحظات الاساسية، فإن العودة الى "المناطق النموذجية" يقتضي انتظار اللخطوات الاميركية المتخذة بصفتها الجهة الراعية للمفاوضات والمكلفة بمراقبة الخطوات التنفيذية بالمعايير المنطقية التي تضمن خطوات ناجحة للجيش اللبناني ،وهو على أتم الاستعداد للقيام بها وسبق له ان قام بعمل جبار في منطقة جنوب الليطاني ولا يحتاج ما حققه الى شهادة أحد بعد ان جاءت التطورات التي رافقت انهيار الهدنة إلى تأكيد صوابيتها وأهمية ما حققته لضبط المنطقة في أفضل الظروف الممكنة. ولا يفوت أحد القول أن مهمة الرقابة لا تقف على رصد تحركات الجانب اللبناني فحسب، إنما هي من ستتحقق من الانسحاب الاسرائيلي ايضا ووقف أعمال التجريف والهدم. وهي خطوات تضمن وقف التفسيرات الاسرائيلية المشبوهة الهادفة إلى مخاطبة الداخل الاسرائيلي المترنج على وقع التحضيرات الجارية لانتخابات الكنيست دون احتساب ردات الفعل السلبية على الساحة اللبنانية.

وانطلاقا مما تقدم ترجح المراجع السياسية والديبلوماسية عند مراقبتها للخطط التي أنجزتها القيادة العسكرية الاميركية الوسطى عبر فريقها برئاسة الجنرال جوزف كليرفيلد لجهة تحديد آلية التنفيذ ميدانياً. اذ  من الضروري ان تجري الخطة بطريقة تضمن "عدم حصول اي فراغ لدى انسحاب القوات الاسرائيلية من المنطقة المحددة".  وكل ذلك رهن نتائج الاجتماعات التنسيقية التي انطلقت في بيروت وتل أبيب بدءا من يوم الخميس الماضي بعد ان التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل وفدا من "البعثة العسكرية الاستباقية" قبل ظهر الجمعة الماضي بعد لقائه رئيس الجمهورية في جلسة صباحية، في انتظار برمجة المراحل التنفيذية على الأرض وهي عملية قد تظهر نتائجها في الساعات المقبلة وسط اعتقاد المعنيين بأن تكون عملية الانسحاب اوسع مما توقعه البعض حتى كتابة هذه السطور، وربما بطريقة متتالية بفارق بسيط بين مرحلة وأخرى، وهو ما يعزز امكان ولادة خطوات مطمئنة بضغوط أميركية مباشرة بدأت مفاعيلها بوقف اسرائيل "للعمليات الحساسة" في لبنان منذ أول أمس الجمعة. وهي تلبي في حال حصولها مطالب لبنان بخطواتها الاولى المطلوبة كما حددها رئيس الجمهورية المشرف على المفاوضات من ألفها الى يائها وبأدق تفاصيلها قبيل القمة الاميركية - اللبنانية.