المصدر: إرم نيوز

The official website of the Kataeb Party leader
الجمعة 26 حزيران 2026 14:51:57
انتهت في العاصمة الأمريكية واشنطن الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية دون التوصل إلى صيغة تفاهم مشتركة، وهو ما يطرح 3 سيناريوهات محتملة.
وأكدت مصادر دبلوماسية غربية وثيقة الاطلاع، أن المفاوضات الرامية لتثبيت التهدئة الحدودية وسحب المظاهر المسلحة وصلت إلى طريق مسدود في ساعاتها الأخيرة.
وأوضحت لـ"إرم نيوز"، أن المفاوضات فشلت نتيجة إصرار الوفد الإسرائيلي على فرض شروط ميدانية تمثلت في التمسك بالسيطرة العسكرية على تلال علي الطاهر الاستراتيجية.
كما حاول الوفد الإسرائيلي فرض مقايضة أمنية عبر عرض الانسحاب الجزئي من مناطق الناقورة والبياضة، مقابل تحويل تلك البلدات إلى مناطق تجريبية تخضع لرقابته المشددة ونزع سلاحها بالكامل، وبذلك فقد دخل الجنوب اللبناني مجدداً في نفق الترقب المفتوح على كافة الاحتمالات.
وكانت نقطة التحول الأساسية في المفاوضات بدأت عندما طرح الوفد الإسرائيلي دفترًا من الشروط الأمنية المستحدثة، التي تتجاوز حدود التفاهمات التقليدية، وعلى رأسها المطالبة بالدخول العسكري والسيطرة الميدانية على تلال علي الطاهر.
تلال علي الطاهر
وتكتسب هذه التلال أهمية استراتيجية فائقة لكونها تقع جغرافيّاً شمال نهر الليطاني؛ ما يعني أن القبول بالمطلب الإسرائيلي يمثّل خرقاً جوهرياً لعمق الأراضي اللبنانية وتراجعاً عن الخطوط الحمراء التي تم التوافق عليها سابقا.
وأمام هذا الطرح، أبدى الوفد العسكري اللبناني المفاوض موقفاً حاسماً وحازماً بالرفض المطلق، معتبراً أن مناقشة أي وجود أو نفوذ إسرائيلي شمال الليطاني هو مساس مباشر وخطير بالسيادة الوطنية اللبنانية، ولا يمكن القبول به تحت أي ظرف من الظروف.
وبحسب المصادر الغربية، فإن المناورات الإسرائيلية لم تتوقف عند حدود تلال علي الطاهر، بل امتدت لتشمل صيغة تفاوضية أخرى رآها الجانب اللبناني محاولة للالتفاف على موجبات الانسحاب الكامل والتام.
فقد عرضت تل أبيب إخلاء قواتها من عدد من المناطق الحيوية التي سبق وأن توغلت فيها في القطاع الغربي، مثل بلدة الناقورة الساحلية ومنطقة البياضة، بالإضافة إلى عدد من القرى الحدودية المتاخمة، ولكن بشرط تحويل هذه المناطق إلى ما أسمته بـ"المناطق التجريبية" أو حقول الاختبار الأمنية.
مكاسب ميدانية
ويرى المحلل السياسي مهنا الدروب، أنه وبموجب هذا الطرح الإسرائيلي، يكون الانسحاب جزئياً ومرحلياً ومرتبطاً بآليات رقابة وتفتيش مشددة، تمنح إسرائيل الحق في تقييم الوضع الأمني والتدخل مجدداً إذا ما رأت أي تهديد.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أن المعلومات المتوفرة تظهر أن قيادة الجيش اللبناني، بالتنسيق مع المستوى السياسي في بيروت، رفضت هذه المعادلة جملة وتفصيلاً، انطلاقاً من مقاربة ثابتة مفادها أن أرض الجنوب ليست حقلاً للتجارب الأمنية، وأن المطلوب هو انسحاب إسرائيلي شامل وفوري دون قيد أو شرط وفقاً للمواثيق الدولية.
وأشار الدروب إلى أن الفشل في التوصل إلى اتفاق يعود بالدرجة الأولى إلى التباين الشاسع والجذري في المقاربات الرؤيوية بين بيروت وتل أبيب، فبينما ينطلق لبنان في تفاوضه من خلفية حماية السيادة الوطنية الكاملة، وبسط سلطة الدولة والجيش اللبناني على كامل التراب الجنوبي، تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع المفاوضات من منظور انتزاع مكاسب ميدانية دائمة.
وخلص إلى أن إسرائيل تسعى إلى استغلال وتوظيف توغلها البري لفرض واقع أمني جديد يمنحها حزاماً أمنياً غير معلن، وصلاحيات عملاتية واسعة تتيح لجيشها التدخل وراء الحدود لمنع أي إعادة تموضع لميليشيا حزب الله، وهو ما يفسر إصرارها على قضم مناطق شمال الليطاني والتصلب في شروط الانسحاب من القطاع الغربي.
3 سيناريوهات
وفي ظل التعثر الذي شهدته مفاوضات واشنطن، فإن المنطقة باتت أمام 3 سيناريوهات محتملة ومفتوحة، يتجلى السيناريو الأول في قيام الإدارة الأمريكية بضغوط دبلوماسية مكثفة وربما غير مسبوقة على الطرفين لمنع الانهيار الكامل للمسار التفاوضي.
ومن المتوقع أن يتدخل الجانب الأمريكي لطرح صيغ تسوية بديلة ومعدلة، تحاول تفكيك العقد المستعصية عبر ترحيل الملفات الأكثر تعقيداً مثل تلال علي الطاهر إلى جولات مستقبلية، والتركيز على إيجاد جداول زمنية مقبولة للانسحاب من القطاع الغربي دون تسميتها بمناطق تجريبية، وذلك رغبة من واشنطن في الحفاظ على التهدئة الهشة وتجنب الانفجار الكبير.
أما السيناريو الثاني، والذي يصفه المراقبون بأنه الأكثر واقعية في المدى المنظور، فهو سيناريو المراوحة الميدانية الطويلة والاستنزاف المتبادل.
المواقع الاستراتيجية
وفي هذا المسار، ستبقي إسرائيل على قواتها متمركزة في النقاط الاستراتيجية، التي احتلتها داخل الشريط الحدودي، مع مواصلة تنفيذ عمليات عسكرية موضعية وخروقات مستمرة تشمل القصف المدفعي الموجه وتحليق الطيران المسير المكثف، متذرعة بحماية بلدات الشمال ومنع اقتراب عناصر حزب الله من الحدود.
وسيحول هذا الواقع الجنوب اللبناني إلى منطقة استنزاف دائم، ويعطل مشاريع إعادة الإعمار، ويمدد معاناة آلاف العائلات النازحة التي ستجد نفسها عاجزة عن العودة إلى قراها المدمرة في ظل غياب ضمانات أمنية حقيقية وانسحاب إسرائيلي كامل.
ويبقى السيناريو الثالث والأكثر خطورة ممثلاً في الانهيار الشامل لتفاهمات التهدئة والعودة الحتمية إلى المواجهة العسكرية الواسعة، فإذا ما تيقنت الأطراف المعنية بانسداد الأفق الدبلوماسي تماماً، وتبددت الآمال في إحداث خرق عبر قنوات واشنطن، فإن لغة الميدان ستفرض نفسها مجدداً.
ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية
وقد تبدأ هذه المرحلة بارتفاع تدريجي في وتيرة العمليات العسكرية المتبادلة بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله"، لتتدحرج سريعاً نحو توسيع إسرائيل لعملياتها البرية وتوغلها في عمق الأراضي اللبنانية؛ ما يدخل المنطقة في جولة حرب شاملة ومدمرة تتجاوز في تداعياتها الخطوط الحمر السابقة وتضع الاستقرار الإقليمي برمته على حافة الهاوية.
وفي المحصلة النهائية، فإن فشل مفاوضات واشنطن يُظهر أن الهوة بين الحسابات الأمنية الإسرائيلية والثوابت السيادية اللبنانية لا تزال شاسعة، ويصعب جسرها بالصيغ الدبلوماسية المرنة حتى الآن، وأن النتيجة المباشرة لهذا الانسداد لن تقتصر على غياب الاستقرار في الجنوب اللبناني، بل ستنعكس مباشرة على ملف عودة آلاف النازحين إلى قراهم الحدودية، والتي باتت رهينة لربط النزاع الميداني بانتظار بلورة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لآليات ضغط أكثر فاعلية على الطرفين.