المصدر: الانباء الكويتية
الكاتب: داود رمال
السبت 23 أيار 2026 23:33:14
دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد العقوبات الأميركية غير المسبوقة التي استهدفت نواباً حاليين ومسؤولين أمنيين وضباطاً وديبلوماسياً إيرانياً، في خطوة عكست انتقال واشنطن من سياسة الضغوط المالية التقليدية إلى سياسة ضرب البنية السياسية والإدارية والأمنية التي تعتبرها الولايات المتحدة مظلة حامية لنفوذ "حزب الله" داخل مؤسسات الدولة.
وتبدو خطورة هذه العقوبات في توقيتها ومضمونها والرسائل التي تحملها، خصوصاً أنها جاءت في ذروة المساعي الدولية لإعادة ترتيب الوضع اللبناني أمنياً وسياسياً من خلال المفاوضات في واشنطن بين لبنان واسرائيل بوساطة اميركية.
وكشف مصدر ديبلوماسي في بيروت لـ"الأنباء" أن "الإدارة الأميركية أرادت من خلال هذه العقوبات توجيه رسالة مباشرة بأن المرحلة المقبلة لن تقتصر على الضغوط الديبلوماسية أو السياسية، بل ستشمل كل من تعتبره واشنطن جزءاً من شبكة الحماية السياسية والأمنية والمالية التي تسمح باستمرار نفوذ "الحزب" داخل الدولة اللبنانية، وأن إدراج نواب في البرلمان اللبناني بهذا المستوى يحمل دلالة تتجاوز العقوبات الفردية، إذ يعكس توجهاً أميركياً للتعامل مع الحزب باعتباره جزءاً من منظومة حكم متكاملة وليس كتنظيم عسكري".
وأوضح المصدر أن "واشنطن أرادت أيضاً إظهار اقتناعها بأن مسألة نزع السلاح لم تعد مرتبطة فقط بالواقع العسكري جنوب لبنان، بل باتت مرتبطة ببنية القرار السياسي والأمني والإداري داخل الدولة، لذا جرى توسيع دائرة العقوبات لتشمل شخصيات تعتبرها الإدارة الأميركية مؤثرة في حماية هذا الواقع أو تسهيل استمراره، اما إدراج ضباط ومسؤولين أمنيين لبنانيين فانه يشكل أخطر ما في القرار الأميركي لأنه يفتح الباب أمام مرحلة تدقيق دولية واسعة في أداء بعض المؤسسات الرسمية اللبنانية وعلاقاتها الداخلية".
واعتبر المصدر أن "العقوبات تحمل في خلفياتها رسالة ضغط مباشرة إلى السلطة اللبنانية الجديدة، ومفادها أن المجتمع الدولي ينتظر خطوات عملية لا سياسية فقط في ملف حصرية السلاح وإعادة تثبيت سلطة الدولة، وأن الإدارة الأميركية تعتقد أن الوقت الإقليمي بات مناسباً لفرض معادلات جديدة في لبنان بعد التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، لذلك فإن واشنطن تتصرف على أساس أن هامش التسويات التقليدية بدأ يضيق وأن مرحلة المساكنة الطويلة بين الدولة و"حزب الله" لم تعد مقبولة أميركياً".
وأشار المصدر إلى أن "إدراج الديبلوماسي الإيراني ضمن العقوبات يندرج في إطار تحميل طهران مسؤولية مباشرة عن استمرار الأزمة اللبنانية، ومحاولة توجيه إنذار بأن أي دور إيراني مستقبلي في لبنان سيبقى تحت المجهر الأميركي. كما أن هذا الإجراء يتقاطع مع مسار أميركي أوسع يهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة إقليمية بالتوازي مع إعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة".
ورأى المصدر أن "أخطر ما ورد في المواقف الأميركية المرافقة للعقوبات هو الحديث الواضح عن أن ما جرى ليس سوى البداية، معتبراً أن ذلك يعني عملياً أن لوائح جديدة يجري إعدادها وقد تشمل شخصيات سياسية وإدارية ومالية إضافية، وربما مؤسسات أو شبكات اقتصادية تعتبرها واشنطن جزءاً من منظومة التمويل أو الحماية غير المباشرة. اذ ان الجهات الأميركية المختصة تملك كماً كبيراً من المعطيات والمعلومات، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال العقوبات من الإطار الرمزي والسياسي إلى إجراءات أكثر إيلاماً على المستوى المالي والاقتصادي".
وأكد أن "التداعيات الداخلية لهذه العقوبات ستكون واسعة، لأنها ستدفع العديد من القوى السياسية إلى إعادة حساباتها، خصوصاً أن الرسالة الأميركية بدت موجهة أيضاً إلى حلفاء الحزب وبيئته السياسية وليس إليه وحده. كما أن استهداف شخصيات مرتبطة بمؤسسات رسمية سيزيد من حساسية العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة، وقد يفرض على الدولة اللبنانية تحديات دقيقة في كيفية التعامل مع هذا التصعيد من دون تعريض مؤسساتها لمزيد من الضغوط أو العزلة".
وأشار المصدر إلى أن "واشنطن تحاول عبر هذه الخطوات فرض وقائع سياسية جديدة في لبنان بالتوازي مع الضغوط الأمنية والعسكرية القائمة في المنطقة، وأن المرحلة المقبلة ستظهر ما إذا كانت العقوبات ستبقى في إطار الرسائل السياسية أم أنها ستكون مقدمة لمسار تصعيدي أشمل قد يطول بنية النظام اللبناني وعلاقاته الخارجية والمالية بصورة غير مسبوقة".