عندما تسقط العقيدة… ويسقط المحور

مرةً جديدة يُدفع لبنان إلى حافة حرب ليست حربه، في لحظة يعيش فيها البلد واحدة من أخطر أزماته الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث. فالدولة التي تكافح منذ سنوات للخروج من الانهيار المالي والمؤسساتي تجد نفسها مجددًا في قلب مواجهة إقليمية نتيجة قرار أحادي يضع مصير بلد بأكمله في مهب صراعات تتجاوز حدوده ومصالحه الوطنية. وما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري على الحدود الجنوبية، بل هو تعبير واضح عن أزمة أعمق: سلاح خارج الدولة يقرر الحرب والسلم، وعقيدة سياسية تربط لبنان بمحور إقليمي تتجاوز معاركه استقرار اللبنانيين ومستقبلهم.

منذ نشأته في ثمانينات القرن الماضي، بنى "حزب الله" شرعيته على مفهوم "المقاومة" ضد إسرائيل، وهو خطاب وجد صدى واسعًا خصوصًا بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000. غير أن هذا المشروع لم يبقَ محصورًا ضمن إطار الدفاع عن لبنان، بل تحوّل تدريجيًا إلى جزء من منظومة إقليمية تقودها إيران عبر شبكة تنظيمات مسلحة في أكثر من دولة في الشرق الأوسط. ومع مرور السنوات، أصبح "الحزب" أحد أبرز أذرع هذا المحور سياسيًا وعسكريًا، الأمر الذي جعل لبنان عمليًا جزءًا من معادلات صراع إقليمي أكبر بكثير من قدرته على الاحتمال.

هذا التحول تجلّى بوضوح بعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، عندما أعلن "الحزب" فتح ما سمّاه "جبهة الإسناد" دعمًا لحماس. ومنذ ذلك الحين تحوّل جنوب لبنان إلى جبهة اشتباك يومية بين إسرائيل و"حزب الله"، ما أدى إلى دمار واسع في القرى الحدودية ونزوح عشرات الآلاف من اللبنانيين وتعطّل الحياة الاقتصادية في مناطق واسعة من الجنوب. ومع استمرار التصعيد، اتسعت دائرة الضربات والغارات لتطول مناطق أوسع في الجنوب والبقاع وحتى محيط بيروت، في سياق التصعيد الإقليمي المرتبط بالمواجهة بين إيران وإسرائيل، ما أعاد لبنان إلى دائرة خطر الحرب الشاملة.

إن إدخال لبنان في هذه المواجهة يضعه عمليًا في قلب صراع إقليمي لا يملك القدرة على تحمّل كلفته. فالاقتصاد اللبناني المنهك منذ عام 2019، والذي وصفه البنك الدولي بأنه من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم منذ أكثر من قرن، لا يستطيع تحمّل صدمة حرب جديدة. كما إن البنية التحتية المتهالكة أصلًا لا يمكنها الصمود أمام حرب واسعة قد تستهدف المرافئ والمطار وشبكات الطاقة والاتصالات، ما يعني تهديد ما تبقى من مقومات الاقتصاد الوطني.

لقد كشفت تجربة "حرب إسناد غزة" حقيقة أساسية: أن قرار الحرب لم يعد قرار الدولة اللبنانية. ففي الدول الطبيعية يُعد قرار الحرب أخطر قرار سيادي، ولا يمكن اتخاذه إلا ضمن المؤسسات الدستورية وبقرار سياسي جامع، لأن نتائجه تطال المجتمع بأكمله. أما في لبنان، فإن تعدد مراكز القوة العسكرية خلق واقعًا شاذًا: دولة مسؤولة أمام شعبها والمجتمع الدولي، لكنها عاجزة عمليًا عن احتكار قرار الحرب والسلم على أرضها.

في المقابل، يبرز خطاب سياسي داخل الدولة يدعو إلى استعادة القرار السيادي وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وقد شدد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في أكثر من مناسبة على أن قوة لبنان الحقيقية تكمن في دولته ومؤسساته وفي الجيش اللبناني الذي يشكل الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها. فالتجارب التاريخية تثبت أن الدول التي نجحت في تثبيت استقرارها هي تلك التي احتكرت السلاح ضمن مؤسساتها الشرعية، فيما تحولت الدول التي سمحت بتعدد القوى المسلحة إلى ساحات صراع للآخرين.

إن ما كشفته حرب غزة والتصعيد الإقليمي الأخير هو أن منطق المغامرة العسكرية لم يعد قابلًا للاستمرار في لبنان. فالمجتمع اللبناني الذي يعيش تحت ضغط الانهيار الاقتصادي لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة حروب جديدة، كما إن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى على معادلة الحرب الدائمة.

اليوم يقف لبنان أمام مفترق واضح: إما دولة تمتلك قرارها السيادي وتحتكر السلاح ضمن مؤسساتها الشرعية، وإما ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. وعندما تسقط العقيدة التي برّرت استمرار السلاح خارج الدولة، ويسقط معها وهم المحاور التي ادّعت حماية المنطقة، يبقى أمام اللبنانيين خيار واحد لا مفر منه: العودة إلى الدولة، لأن الدولة وحدها قادرة على حماية لبنان وإنقاذ مستقبله.