المصدر: المدن
الكاتب: غادة حلاوي
الاثنين 30 آذار 2026 12:07:15
عندما حاول وفد المخابرات المصري، الذي زار لبنان مؤخراً، الاستفسار من حزب الله عن تصوّره للمخارج الممكنة لوقف الحرب الإسرائيلية، سمع جملة اختصرت كل ما يمكن قوله: "الكلمة اليوم للميدان". وكما وفد المخابرات، كذلك وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، لم يحمل أيٌّ منهما صيغة مبادرة محددة. وقد أبدى وفد المخابرات استعداد بلاده للدخول على خط الوساطة لوقف إطلاق النار، مستفسراً عن نقطة البداية، وعما إذا كان حزب الله بوارد الموافقة على وقف الحرب. كما عاتب الوفدُ حزبَ الله، معتبراً أنه فوّت فرصة التوصل إلى اتفاق في المرة الماضية، وأن الفرص حينها كانت سانحة لو تجاوب مع المقترح القاضي بالانسحاب إلى ما وراء الليطاني وتجميد عمله المسلح. وقد عاد الموفد الأمني المصري ليطرح الأمر نفسه، سائلاً حزب الله عمّا يمكن فعله لوقف الحرب، ومنبهاً من حرب إسرائيلية طويلة، وأن احتلال إسرائيل هذه المرة قد يمتد ليشمل أكثر من خمسين قرية في الجنوب. ومثله فعل وزير الخارجية، الذي نبّه إلى خطورة الوضع ونوايا إسرائيل المبيّتة، وأنها بصدد احتلال مساحات كبيرة من الجنوب اللبناني وإحكام سيطرتها عليه، وليس مستبعداً أن تصبح إسرائيل طرفاً مؤثراً في القرارات السياسية والأمنية في لبنان.
حزب الله، الذي استمع وأنصت إلى ما قاله الوفد الأمني، سأل عمّا إذا كان قد فُتح مع الجانب الإسرائيلي نقاشٌ حول اقتراح معين، أو إذا كانت هناك أي مؤشرات إيجابية بشأن ما يُطرح. فجاء الجواب أن مصر ارتأت أن تكون البداية من حزب الله، للاستماع إلى رأيه، ثم التحرك على أساس ما يُستخلص منه. عندها، نُصح الوفد بالتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري والاطلاع على رأيه. وانتهت زيارة وفد المخابرات من دون نتيجة يمكن الركون إليها، على أن تُصاغ أفكار بناءً على ما جرى بحثه، والعودة بمقترح يتم العمل عليه.
ومن ناحيته، تحدث وزير الخارجية بالصراحة نفسها، منبهاً من عدوان إسرائيلي عنيف واحتلال طويل لجزء كبير من الجنوب، ومشدداً على ضرورة التحرك للحد من الخسائر ووقف الحرب بأسرع وقت ممكن. وخلال لقائه مع مجموعة من النواب والسياسيين في لبنان، حذّر عبد العاطي من نتائج الحرب الإسرائيلية وما قد تؤول إليه من واقع كارثي، متسائلاً: ماذا بعد الحرب؟ فأجابته نائبة شاركت في الجلسة: "سنذهب حتماً إلى توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل"، ليُعلّق الوزير المصري قائلاً إن مصر وقّعت اتفاق سلام مقابل الأرض التي استعادتها، متسائلاً: ماذا سيحصل لبنان من اتفاق مماثل؟
ويرى المصريون أن على لبنان التحرك بسرعة للحد من تداعيات الحرب الإسرائيلية، إذ إن الوقت ينفد، فيما تتقدم إسرائيل جنوباً لإحكام سيطرتها عليه بالنار. كما يقدّرون أن الوضع في لبنان بات بالغ الخطورة، سواء على مستوى الحرب التي تشنها إسرائيل، أو على مستوى الوضع الداخلي الذي ينذر بمخاطر جدية.
ويُعزى رفض حزب الله التجاوب مع الموفد المصري إلى اعتباره أن أي تسوية تُفرض تحت النار لن تكون مجدية، وأن الميدان وحده هو الذي يصنع التسويات في المرحلة الراهنة، خصوصاً أن إسرائيل لا تُبدي اهتماماً بأي مبادرة لوقف الحرب، وبالتالي لن تقبل بأي مقترح مصري أو فرنسي، في حين يمنحها الطرف الأميركي الضوء الأخضر لاستكمال عملياتها.
غير أن عدم تجاوب حزب الله لا يعني أنه يتعامل مع مراجعيه وفق جدول شروط صارم، بل يقوم موقفه على أولوية وقف الحرب وعودة النازحين إلى قراهم، ليُصار بعد ذلك إلى البحث في المخارج، شرط ألا تكون أي تسوية مشابهة لاتفاق تشرين لوقف إطلاق النار.
ومعنى أنَّ "الكلمة للميدان" أنَّ الحزب، كما إسرائيل، يسعى إلى فرض معادلات جديدة بالنار، وهو ما تعمل عليه إسرائيل أيضاً. ويدرك حزب الله أن إسرائيل ستتوغل في مساحات متقدمة من الجنوب، إلا أن الأهم بالنسبة إليه هو قدرتها على الصمود في الحرب البرية التي يديرها بأسلوب يعيده إلى بدايات عمله العسكري. ووفق حساباته، فإنها حرب حاسمة لا تنفع معها معادلات غير متوازنة، لا سيما في ظل ما يعتبره صموداً إيرانياً لافتاً، قد يفضي إلى رسم معادلات جديدة في المنطقة، يكون لبنان في صلبها.
وكانت مصر من أوائل الدول التي تحركت باتجاه لبنان، مستفيدة من موقعها كدولة قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف. وهي لا تزال تستمع إلى حزب الله وتنصت إلى مقاربته، فيما يفتح الحزب الباب أمام مقترحاتها، شرط أن تبدأ من الجانب الإسرائيلي لا من لبنان، حتى لا يصطدم بأي رفض مسبق. ولا تزال الأفكار المصرية قيد التبلور، مع اتفاق على مواصلة البحث. وكعادته، لا يصدّ رئيس المجلس باباً يُقصد لبنان تضامناً أو سعياً، وكذلك حزب الله، إلا أن لا صوت يعلو حالياً فوق صوت المعركة.