المصدر: النهار
الكاتب: محمد قواص
الخميس 24 أيلول 2026 08:04:30
وفّر الأمين العام لـ"حزب الله" الراحل السيد حسن نصر الله على خصومه حجّة اتهامه وحزبه بالتبعية لإيران. أعلن بالفم الملآن عام 2012 أن الولاء للوليّ الفقيه، وأن مصدر العقيدة والسياسة والمال والتوجيه والتدريب والسلاح هو الجمهورية الإسلامية. وفيما جاء هذا الإقرار بنبرة فخر في لحظة قوة مالت إلى الغطرسة، فإن ذلك الاعتراف كان امتداداً لما جاهر به في البدايات في الثمانينات أن هدف حزبه هو "إقامة دولة إسلامية في لبنان تكون جزءاً من الدولة الإسلامية في إيران".
لم يكن في ذلك الإقرار إلا فرضاً لأمر واقع يمليه ما درج أن يُطلق عليه تعبير "فائض القوة"، الذي سطع بريقه إثر ارتخاء قوة الوصاية السورية وزوالها بعد عام 2005. وقد انتهى ذلك الانتشاء بخروج نظريات تتحدث عن "حزب الله" في لبنان بصفته شريك سلطة مع الحكم في إيران، وأن "السيّد" ليس كالآخرين داخل "المحور"، بل قائد أساسي في "المشروع الكبير" تستقوي به إيران ولا يستقوي بها. ولئن ثبت لاحقاً أن الحزب لا يعدو كونه ذراعاً من الأذرع في خدمة الرأس في طهران، فإن هزائمه الحديثة تضع مشروعه ومزاعمه القديمة تحت مجهرٍ تُفاجئنا أعراضُه المشوّهة.
لم يعد الحزب، بعد غياب السيّد، في غرفة القرار والقيادة، وبات في صالة الانتظار، مستمراً، كما في السابق، ينفّذ بطاعةٍ كاملة توجيهات القيادة والقائد من دون أي تردد أو تحفّظ.
وفيما جاهد الحزب طوال عقود في اختبار تمارين اللبننة من خلال الانخراط في العملية السياسية وقطف المناصب من مخاتير القرى إلى وزارات الحكومة، فإنه أثبت للولي الفقيه أنه إيراني الهوية والهوى، وأن تلك اللبننة مزعومة تغيب وتتوارى حين تقرر طهران تحريك ذراعها في لبنان، إسناداً وراء إسناد، حتى لو أدى الأمر إلى فناء البلد وناسه وشيعته.
لا يملك الحزب حالياً إلا الانتظار خلف الباب. لكنه يملك من الحناجر ما يستنفرها للتعويض عن سكوت ترسانته التي وعدت بالنصر المبين. تقفز وجوه الحزب تائهةً محتارة تبيع أوهاماً بأسعارٍ متهاودة بين الشاشات ونوافذ البودكاست، وما أكثرها هذه الأيام. يحتاج الأمر إلى "إطلالات" شيخ الحزب نعيم قاسم لتكرار المكرر الذي لم يعد يُهضم حتى لدى المقرّبين والأوفياء وأهل البيئة. حتى الكتلة النيابية بدا عليها ترهّل وارتباك. راحت تسعى من خلال المشاغبة والتوتر إلى استعادة مجدٍ وصيت وذكرى الأيام الجميلة. حتى أحد أعضائها أبلغ برلمان البلاد أنه لم يسبق له أن تمالك نفسه كما يفعل هذه الأيام.
كان "السيّد" الراحل يمتلك صنعة القول التي كانت، للمفارقة، تطمئن "البيئة" المحتاجة دوماً الى الطمأنة حتى في عزّ مواسم القوة وفائضه، وكأن العامة كانت تدرك أنها تعيش استثناءً مصطنعاً قريب النهايات. كان ذلك سهلاً في زمن القوة وتضخّمها. لم تعد الديباجات هذه الأيام صالحة لإقناع البلد وناسه وشيعته بحسن السلوك والفعل وحنكة القرار. لا تملك إيران نفسها ملكة الإيحاء بدفتر شروط وجب الالتزام به للقفز إلى بعض نصر وكثيرٍ من عزّة وكرامة. وفيما يتعثر الحزب بضعف بنيته ووهن حدسه، يرتبك معه البلد ودولته التي تتلمّس، مع الحزب، سبل الخروج من المحنة نفسها.
يعوّل الحزب في ترميم مصيره على ما ينتظر إيران من مصير. ينتظر تسوية يصادف أن ضجيجها هذه الأيام يوحي قرب وقوعها، لعل فيها ما يسوّي أمر الحزب ويرمم كبوته. يعوّل على تفصيلة يمنية تُفرج عنها تطورات ذلك البلد، لعل فيها ما يرفد الذراع اللبنانية بفتات من ترتيبات قيد الإعداد في ذلك البلد البعيد.
يعتمد الحزب كثيراً على استمرار ناسه في عضّ الجرح صوناً لكرامات مسّتها الكارثة، فحوّلت البيئة من "أشرف الناس" إلى حالات وجع وتشرّد تتداول حكايات الموت والنكبة، من دون أن يصادفوا، حتى على نحو خطابي، صوتاً يحمل إليهم أملاً يبشّرهم بأنه آن لهذا الليل أن ينجلي.